حرب النفوذ الخفية بين أبوظبي والرياض: صراع إماراتي سعودي على الزعامة الإقليمية

تحول التنافس المتصاعد بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى صراع واسع على الزعامة الإقليمية والنفوذ الخارجي والهيمنة الاقتصادية والسمعة الدولية.

وبحسب تحليل نشرته منصة “دارك بوكس”، فإنه تتشكل خلف خطاب الشراكة الخليجية الرسمي مواجهة أعمق، مع تبني أبوظبي خطوات متزايدة تجاه الرياض عبر أدوات غير مباشرة تشمل التأثير الإعلامي، وشبكات النفوذ، والمناورات الإقليمية، في إطار سعيها لتعزيز موقعها الإقليمي ومنافسة الدور السعودي.

وأورد التحليل أن التنافس الإماراتي السعودي دخل مرحلة أكثر حدة عقب سلسلة من التحولات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران، والأزمة اليمنية، والصراع في السودان، إضافة إلى المنافسة المتنامية في قطاعات الموانئ والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي والطيران والطاقة والاستثمارات العالمية.

وأشار إلى أن ما كان يوصف سابقاً بأنه تنافس بين قوتين خليجيتين طموحتين بات أقرب إلى مواجهة استراتيجية تسعى فيها أبوظبي إلى توسيع حضورها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي في مقابل النفوذ التقليدي للرياض.

وأشار التحليل إلى أن جوهر الخلاف يرتبط برؤيتين مختلفتين لمستقبل المنطقة، إذ تقدم السعودية نفسها باعتبارها القوة المركزية التي تسعى للحفاظ على النظام الإقليمي والسيادة الرسمية للدول، بينما تبنت الإمارات نموذجاً يعتمد على قواعد متقدمة، وشبكات نفوذ، وشركاء محليين، وأدوات اقتصادية، ومحاور ثنائية تتجاوز أحياناً إطار التوافق الخليجي التقليدي.

وبرز هذا النهج، وفق التحليل، في ملفات اليمن والسودان والصومال وصوماليلاند وبونتلاند وسقطرى وممرات البحر الأحمر.

وكشف الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن حجم التباين بين الطرفين، بعدما شكّل دعم أبوظبي لقوى انفصالية جنوبية تحدياً للرؤية السعودية الداعمة لبقاء دولة يمنية موحدة.

ومع تمدد قوات مدعومة إماراتياً في مناطق مثل حضرموت والمهرة، اعتبرت الرياض ذلك تجاوزاً لخطوطها الحمراء، ما أدى إلى تصاعد الضغوط والتحذيرات بشأن مستقبل النفوذ داخل اليمن.

وأكد التحليل أن الخلاف عكس رفضاً سعودياً متزايداً لمشاريع ترى أنها قد تؤدي إلى إعادة تشكيل دول قريبة من حدودها وفق توازنات جديدة.

وأضاف أن السودان تحول إلى ساحة أخرى للتنافس بين الطرفين، حيث وضعت علاقات أبوظبي مع قوات الدعم السريع الإمارات في مواجهة مع التوجه السعودي تجاه الأزمة.

وقد تحول الملف السوداني، وفق التقرير، إلى أداة ذات أبعاد سياسية وإعلامية ضمن المنافسة الخليجية، إذ سعى كل طرف إلى التأثير على الصورة الدولية للطرف الآخر.

وأشار التحليل إلى أن بعض الدوائر الإماراتية أصبحت ترى أن الرياض تشجع زيادة الضغوط الدولية بشأن دور أبوظبي في السودان، سواء عبر القنوات السياسية أو الإعلامية، ما جعل الحرب السودانية أحد أبرز مظاهر انتقال الخلاف من المنافسة السياسية إلى معركة على السمعة والنفوذ.

ويرى التحليل أن استراتيجية أبوظبي تقوم على تقديم نفسها كنموذج أكثر مرونة واتصالاً بالقوى العالمية، مقابل تصوير السعودية باعتبارها أكثر ارتباطاً بالهياكل التقليدية.

ولفت إلى أن الخطاب المرتبط بالإمارات يركز على علاقاتها الدولية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا والهند والقوى الآسيوية، ضمن سردية تهدف إلى إبراز استقلالية أبوظبي وقدرتها على بناء تحالفات خارج الإطار الخليجي التقليدي.

وأكد التحليل أن البعد الاقتصادي يمثل أحد أهم محاور التنافس، خصوصاً بعد توجه السعودية إلى منافسة قطاعات شكلت أساس القوة الإماراتية لعقود، مشيرا إلى أن قرار الرياض جذب مقار الشركات الإقليمية، وإطلاق شركة “طيران الرياض” لمنافسة شركات الطيران الإماراتية، وفتح أسواق العقارات والاستثمار، وتطوير قطاعات الخدمات والتمويل والسياحة، كلها خطوات هددت الامتياز الاقتصادي الذي بنته الإمارات.

فقد اعتمدت أبوظبي ودبي لعقود على موقعهما كمركز للربط العالمي، والتمويل، والطيران، والخدمات اللوجستية، والموانئ، وجذب رأس المال الأجنبي، بينما أدى دخول السعودية بقوة إلى هذه المجالات إلى تحويل المنافسة الاقتصادية إلى مواجهة استراتيجية.

وفي المقابل، عززت الإمارات سياستها القائمة على بناء مسارات مستقلة، من خلال توسيع العلاقات مع الهند، وتعزيز التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، والبحث عن ممرات تجارية ولوجستية بديلة عبر سلطنة عمان وموانئ خارج مضيق هرمز.

واعتبر التحليل أن تحركات أبوظبي في ملفات الطاقة والسياسة الخارجية حملت رسائل بأنها لا ترغب في البقاء مقيدة دائماً بالأطر الجماعية التي تتأثر بالحسابات السعودية.

وأشار إلى أن جانب السمعة أصبح أحد ميادين التنافس الرئيسية، حيث تبرز شبكات ومراكز تأثير مرتبطة بالإمارات نقاط ضعف السياسة السعودية، بينما تقدم أبوظبي كقوة أكثر قدرة على اتخاذ القرار وأكثر ارتباطاً بمراكز النفوذ الدولية.

واعتبر التحليل أن هذه المواجهة تمثل “حرباً ناعمة على التصورات”، لا تعتمد على الصدام المباشر، بل على مراكز الأبحاث، والمنصات الإعلامية، ووسائل التواصل، والرسائل الدبلوماسية التي تؤثر على رؤية العواصم الغربية للجانبين.

وحذر من أن استمرار هذا التنافس قد يعمق الانقسام داخل الخليج في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات أمنية وسياسية متزايدة.

وخلص تحليل “دارك بوكس” إلى أن المنافسة بين الإمارات والسعودية تجاوزت حدود التنافس التقليدي، إذ تسعى أبوظبي إلى تقديم نفسها كقوة إقليمية بديلة وأكثر تأثيراً، غير أن هذا المسار قد يحمل تكلفة استراتيجية تتمثل في إضعاف التماسك الخليجي والنظام الإقليمي الذي منح الدولتين مكانتهما الحالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى