فايننشال تايمز: موجة هروب بريطانية بسبب الضرائب والإمارات الوجهة المفضلة

كشفت صحيفة فايننشال تايمز عن انتقال عدد من كبار رجال الأعمال البريطانيين إلى الخارج، وعلى رأسهم اللورد ستيفن كارتر، الرئيس التنفيذي لشركة إنفورما (Informa) العملاقة، الذي اختار الانتقال إلى الإمارات العربية المتحدة والتقاعد من مجلس اللوردات البريطاني، في خطوة تُفسَّر على نطاق واسع بأنها جزء من موجة “هروب ضريبي” إلى وجهات أكثر جاذبية للأثرياء والمديرين التنفيذيين.

وبحسب الصحيفة يُعد اللورد ستيفن كارتر أحد أبرز الشخصيات في عالم الإعلام وإدارة الأعمال في بريطانيا، إذ شغل سابقاً منصب رئيس الاستراتيجية في مكتب رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون، قبل أن يصبح أول رئيس تنفيذي لهيئة تنظيم الإعلام البريطانية Ofcom.

ومنذ عام 2013، تولى كارتر قيادة شركة إنفورما، المدرجة ضمن مؤشر فوتسي 100، والتي تُعد من أكبر الشركات العالمية المتخصصة في تنظيم الفعاليات والمؤتمرات والنشر الأكاديمي.

لكن الخطوة المفاجئة بانتقاله إلى أبوظبي وتقاعده من مجلس اللوردات أثارت تساؤلات حول دوافعها الحقيقية.

فبينما تصر الشركة على أن القرار “مدفوع بأولويات العمل”، يرى مراقبون أنه مرتبط ببيئة الضرائب المتشددة في بريطانيا، خاصة بعد إلغاء الحكومة صفة “غير المقيم ضريبياً” (non-dom) التي كانت تعفي أصحاب الثروات من الضرائب على أصولهم الخارجية.

شركة عالمية تغادر لندن تدريجياً

بحسب تقرير فايننشال تايمز، فإن انتقال كارتر ليس حالة معزولة، بل يأتي ضمن خطة أوسع وافق عليها مجلس إدارة إنفورما العام الماضي، تقضي بنقل عدد من كبار التنفيذيين إلى مكاتب الشركة حول العالم، في خطوة تهدف إلى “إعادة تموضع الإدارة” في الأسواق الأكثر نمواً.

فإلى جانب كارتر، انتقل باتريك مارتيل، المدير التنفيذي للعمليات، إلى نيويورك، بينما غادر غاري نوجنت، رئيس وحدة TechTarget، إلى بوسطن. وتشير السجلات الرسمية للشركات البريطانية إلى أن هذه التحركات وُثّقت خلال الصيف الماضي، ما يدل على أنها ليست قرارات فردية بل جزء من توجه إداري منظم.

وتحقق إنفورما أقل من 5٪ فقط من إيراداتها في المملكة المتحدة، مقابل 43٪ في أمريكا الشمالية و36٪ في الهند والشرق الأوسط وآسيا، ما يعكس التحول الجغرافي الكبير في أعمالها بعيداً عن لندن.

ويُرجّح أن وجود مقرها التنفيذي الجديد في الإمارات ينسجم مع استراتيجية توسعها في الأسواق الإقليمية التي تسجل معدلات نمو مرتفعة.

الإمارات.. الملاذ الضريبي الجديد للنخبة البريطانية

تحظى الإمارات بسمعة متزايدة كوجهة مفضلة لرجال الأعمال البريطانيين، بفضل نظامها الضريبي شبه الصفري، وبيئة الأعمال المرنة، ومكانتها كمركز مالي وتجاري عالمي. ومع تطبيق حكومة حزب العمال الجديدة لسياسات مالية تستهدف الأثرياء، تسارعت وتيرة خروج بعض رجال المال من بريطانيا، بحثاً عن بيئة ضريبية أكثر استقراراً.

وتشير مصادر اقتصادية إلى أن إلغاء امتيازات الـ”non-dom” التي كانت تسمح للأثرياء بتجنب دفع الضرائب على أصولهم الخارجية، شكّل نقطة تحول كبرى دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في إقامتهم الضريبية.

وتعتبر الإمارات، إلى جانب سويسرا وسنغافورة، من أبرز الوجهات التي تستقطب هؤلاء، بفضل غياب ضرائب الدخل والميراث، إلى جانب بنية تحتية متطورة للحياة الفاخرة.

ورغم أن شركة إنفورما نفت أن يكون انتقال كارتر مرتبطاً بالضرائب، فإن مراقبين يرون أن الجمع بين “الملاذ الضريبي” و”نمو الأعمال” يجعل الإمارات خياراً مثالياً يجمع بين المزايا المالية والإستراتيجية.

خطة توسع ضخمة في الخليج

تزامن انتقال كارتر مع توسع سريع لإنفورما في منطقة الخليج، لا سيما من خلال مشروعها المشترك في السعودية “تحالف” (Tahaluf)، الذي يحقق إيرادات سنوية تفوق 250 مليون دولار، بمعدل نمو يتجاوز 20٪.

وتخطط الشركة لدمج هذا المشروع مع شركة معارض مملوكة للحكومة الإماراتية، بهدف رفع العائدات إلى نحو مليار دولار في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

ويبدو أن هذا النمو الإقليمي هو ما يمنح الإمارات مركزاً متقدماً في استراتيجية الشركة، خاصة مع تصاعد الطلب على تنظيم المعارض والمؤتمرات في مجالات التكنولوجيا والطاقة والسياحة.

سابقة بريطانية مثيرة للجدل

لم يكن انتقال كارتر هو الأول من نوعه بين رؤساء الشركات البريطانية الكبرى، إذ يعيش باسكال سوريو، الرئيس التنفيذي لشركة أسترازينيكا، في سيدني بأستراليا، بينما يدير شركته من هناك منذ سنوات.

لكن انتقال رئيس تنفيذي مدرج في مؤشر فوتسي 100 إلى الإمارات يكتسب أهمية رمزية أكبر، لأنه يأتي في وقت حساس تشهد فيه لندن تراجعاً في جاذبيتها كمركز للشركات العالمية.

ويُتوقع أن يبقى كارتر ومارتيل في الخارج لمدة عامين على الأقل، بينما سيكون انتقال نوجنت إلى بوسطن طويل الأمد. وتؤكد الشركة أن هذه التحركات “تعكس عالمية إنفورما”، مشيرة في بيانها إلى أن “فريق الإدارة التنفيذي يقضي وقته في الأماكن التي توجد فيها الأسواق والنمو”.

تراجع جاذبية لندن أمام الملاذات الضريبية

تأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن هجرة الشركات البريطانية الكبرى نحو نيويورك أو دبي، مع تصاعد الشكاوى من ارتفاع الضرائب وتكاليف المعيشة في بريطانيا.

ووفقاً لمحللين ماليين، فإن انتقال رؤساء الشركات إلى الخارج قد يكون مقدمة لتغيير أكبر في هيكل الملكية أو نقل الإدراجات المالية خارج لندن.

ويخشى صناع القرار في بريطانيا أن تؤدي هذه الظاهرة إلى تراجع مكانة لندن كمركز مالي عالمي، في حين يرى منتقدون أن الحكومة الحالية بسياساتها الضريبية الجديدة “تدفع النخبة الاقتصادية نحو الهروب الجماعي”.

ويعكس انتقال اللورد ستيفن كارتر إلى الإمارات تحوّلاً أعمق في خريطة النفوذ الاقتصادي العالمي، حيث تتقدم دبي وأبوظبي لتصبحا مراكز بديلة تستقطب رؤساء الشركات والمستثمرين الغربيين الهاربين من الضرائب والتشريعات المقيدة.

وإذا كانت لندن تفقد بريقها كمركز عالمي للمال والأعمال، فإن الإمارات تبدو الرابح الأكبر من هذا التحول، بعدما أصبحت الوجهة المفضلة لمن يسعون إلى بيئة ضريبية منخفضة، واستقرار سياسي واقتصادي، وموقع استراتيجي يربط بين الشرق والغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى