كازاخستان تسابق الزمن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة وسط تحديات التمويل

تواصل كازاخستان جهودها لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية لتطوير قطاع المعادن النادرة، في محاولة لترسيخ موقعها كمصدر بديل للصين في سلاسل توريد المعادن الحيوية، إلا أن هذه الطموحات تصطدم بعقبات تتعلق بالبنية التحتية والتكنولوجيا والجغرافيا، رغم تزايد اهتمام الولايات المتحدة ودول الخليج بالاستثمار في هذا القطاع.

وتسعى الدولة الواقعة في آسيا الوسطى إلى استغلال احتياطياتها الكبيرة من المعادن الإستراتيجية في ظل تسابق القوى الاقتصادية العالمية لتنويع مصادر الإمدادات بعيداً عن الصين، التي تواصل فرض هيمنة واسعة على سوق العناصر الأرضية النادرة.

ويرى خبراء أن كازاخستان تمتلك إمكانات كبيرة، لكنها لا تزال بعيدة عن منافسة الصين، بسبب افتقارها إلى منشآت التكرير الحديثة واعتماد قطاع التعدين فيها على معدات تعود إلى الحقبة السوفيتية، فضلاً عن كونها دولة حبيسة تفتقر إلى منافذ بحرية مباشرة.

وتسيطر الصين على نحو 60% من الإنتاج العالمي للعناصر الأرضية النادرة، وما يصل إلى 90% من قدرات تكريرها، ما يمنحها نفوذاً واسعاً على سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما دفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تكثيف الاستثمارات في مشاريع التعدين الجديدة حول العالم.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن التمويل الحكومي المخصص لمشاريع المعادن الحيوية الجديدة ارتفع بأكثر من أربعة أضعاف بين عامي 2023 و2025، ليصل إلى نحو 65 مليار دولار، في إطار جهود تقليل الاعتماد على الإمدادات الصينية.

وتتمتع كازاخستان بثروات معدنية ضخمة، إذ تعد أكبر منتج عالمي لليورانيوم، كما تمتلك احتياطيات كبيرة من النحاس والزنك والليثيوم والتنتالوم ومعادن أخرى تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية.

وتؤكد الحكومة الكازاخستانية وجود أكثر من 9500 موقع معدني في البلاد، إضافة إلى احتياطيات من نحو نصف المعادن التي تصنفها الولايات المتحدة ضمن المواد الحيوية اللازمة لقطاعي الطاقة والأمن القومي.

ويبرز معدن التنجستن ضمن أهم الموارد الكازاخستانية، إذ تقدر احتياطياته بنحو مليوني طن، ويستخدم في تصنيع منظومات الدفاع الجوي والصواريخ المتطورة، بما في ذلك صواريخ “باتريوت” و”ثاد”.

كما عزز اكتشاف منجم “جانا” العام الماضي، على بعد نحو 420 كيلومتراً من العاصمة أستانا، الآمال بتحول كازاخستان إلى لاعب رئيسي في سوق المعادن النادرة، إذ تقدر احتياطياته بأكثر من 20 مليون طن من العناصر الأرضية النادرة.

غير أن الخبراء يؤكدون أن حجم الاحتياطيات وحده لا يكفي، إذ يتوقف نجاح المشروع على قدرة البلاد على جذب رؤوس الأموال، وبناء البنية التحتية اللازمة لاستخراج الخام ومعالجته ونقله إلى الأسواق العالمية.

وفي يونيو الماضي، وقعت مؤسسات تمويل أمريكية خطابات اهتمام بقيمة تصل إلى 1.6 مليار دولار لتمويل مشروع مشترك بين شركة أمريكية وشركة التعدين الحكومية الكازاخستانية لتطوير رواسب التنجستن في شمال البلاد.

كما وقعت كازاخستان اتفاقية تعاون مع السعودية في قطاع التعدين والموارد المعدنية، فيما انضمت شركة أبوظبي للتنمية القابضة (ADQ) إلى تحالف استثماري بقيمة 1.8 مليار دولار لاستكشاف فرص التعدين في كازاخستان وآسيا الوسطى، في مؤشر على تنامي اهتمام دول الخليج بالمعادن الإستراتيجية ضمن خططها لتنويع اقتصاداتها.

ورغم هذا الزخم الاستثماري، لا تزال كازاخستان تواجه تحديات تقنية ولوجستية كبيرة، أبرزها غياب منشآت معالجة وفصل العناصر الأرضية النادرة، وضعف شبكات الطاقة، والاعتماد على معدات قديمة لا تلبي متطلبات الإنتاج الحديث.

وتزيد الطبيعة الجغرافية للبلاد من تعقيد المشهد، إذ تعتمد صادراتها على “الممر الأوسط” الذي يمتد عبر أكثر من 4250 كيلومتراً من خطوط السكك الحديدية، ما يرفع تكاليف النقل ويطيل زمن وصول الشحنات إلى الأسواق العالمية.

كما أن استخدام الممرات التي تمر عبر روسيا لا يعد خياراً مفضلاً بالنسبة للولايات المتحدة وشركائها، في ظل الاعتبارات الجيوسياسية والعقوبات المفروضة على موسكو.

ويرى محللون أن مشاريع التعدين تحتاج إلى استثمارات ضخمة وفترات تطوير قد تمتد إلى 15 عاماً قبل بدء الإنتاج التجاري، ما يجعلها عرضة لتغير السياسات الاقتصادية والجيوسياسية.

وفي الولايات المتحدة، أثارت صفقة التنجستن البالغة قيمتها 1.6 مليار دولار جدلاً سياسياً، بعد تقارير تحدثت عن احتمال استفادة مقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير التجارة هوارد لوتنيك منها، وهي مزاعم نفتها مؤسسة ترامب، بينما بدأ مشرعون ديمقراطيون مراجعة عدد من صفقات المعادن الحيوية.

ويرى خبراء أن استمرار الاستثمارات الغربية في كازاخستان سيظل مرتبطاً باستقرار السياسات الأمريكية على المدى الطويل، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على تأمين المعادن الإستراتيجية التي تشكل أساس الصناعات الدفاعية والتكنولوجية والطاقة النظيفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى