قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات تحاصر مدينة الأبيض وتدمر مقومات الحياة

تواجه مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان وإحدى أهم المدن الاستراتيجية في السودان، حصاراً متصاعداً وهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة تنفذها قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات العربية المتحدة، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير مرافق حيوية وتفاقم أزمات الكهرباء والمياه والوقود والغذاء، وسط تحذيرات من تكرار سيناريو المجازر التي شهدتها مدينة الفاشر.

وتحاصر قوات الدعم السريع مدينة الأبيض من الجهات الغربية والشمالية والجنوبية، في وقت يعيش فيه نحو 600 ألف شخص داخل المدينة، بينهم أكثر من 105 آلاف نازح لجأوا إليها هرباً من الحرب والجوع والعنف في مناطق أخرى من السودان.

وقال عبد الله، وهو محامٍ من سكان الأبيض، إن المعاناة التي تكبدها أهالي المدينة منذ اندلاع الحرب “تفوق التصور”، مؤكداً أن قوات الدعم السريع تواصل قصف المدنيين والمنشآت الحيوية ومرافق الخدمات الأساسية بهدف دفع السكان إلى النزوح ومغادرة مدينتهم.

وتكتسب الأبيض أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها عند تقاطع الطرق الرئيسية التي تربط العاصمة الخرطوم بإقليمي كردفان ودارفور، معقل قوات الدعم السريع في غرب السودان، فيما تحتفظ الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش السوداني بمقرها الرئيسي داخل المدينة.

وخلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، كثفت قوات الدعم السريع هجماتها بالطائرات المسيّرة على الأبيض، مستهدفة محطات الوقود وناقلات النفط وشاحنات المياه والمنشآت المدنية.

وأدت الهجمات إلى تضرر محطة الكهرباء الرئيسية ومرافق المياه والسوق المركزي ومستودعات الوقود، إضافة إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين وارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية والأدوية وخدمات النقل.

وأظهرت صور أقمار صناعية حللها مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل أضراراً تتوافق مع استهداف متعمد للبنية التحتية المدنية الضرورية لاستمرار الحياة، فيما أظهرت البيانات تعرض ثماني محطات وقود على الأقل للقصف خلال الفترة بين 25 مايو/أيار و25 يونيو/حزيران.

وفي مواجهة التهديدات المتزايدة، أقام الجيش السوداني ما لا يقل عن 14 نقطة تفتيش وشبكة من السواتر الترابية والخنادق الدفاعية يبلغ طولها نحو 51 كيلومتراً حول مدينة الأبيض لمنع تقدم قوات الدعم السريع.

ورغم التحذيرات الدولية المتزايدة بشأن الوضع في شمال كردفان، لم توجه الولايات المتحدة وبريطانيا انتقادات علنية مباشرة إلى الإمارات بشأن دعمها لقوات الدعم السريع، التي تواجه اتهامات واسعة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في دارفور.

وتواصل أبوظبي نفي تقديم الدعم العسكري لقوات الدعم السريع، إلا أن سكاناً في الأبيض يؤكدون أن الدور الإماراتي معروف بالنسبة إليهم. وقال عبد الله: “الجميع هنا يعلم أن الإمارات تدعم قوات الدعم السريع”.

وفي 18 يونيو/حزيران، استهدفت طائرات مسيّرة محطة توليد الكهرباء الرئيسية في الأبيض، ما أدى إلى أضرار جسيمة وانقطاع واسع للتيار الكهربائي في المدينة.

وتسبب توقف الكهرباء في تعطيل إمدادات المياه وإغلاق عدد من المستشفيات، بينما بات السكان يعتمدون على الآبار الداخلية وشاحنات المياه القادمة من خارج المدينة.

لكن استمرار استهداف الطرق وشاحنات المياه والوقود بالطائرات المسيّرة أدى إلى تفاقم الأزمة، فيما أصبحت المياه النظيفة نادرة وارتفعت أسعارها بصورة حادة.

وبحسب شهادات السكان، نفذت قوات الدعم السريع خلال الأسابيع الماضية ما بين غارتين وست غارات بالطائرات المسيّرة يومياً، مستهدفة مواقع عسكرية ومركبات قتالية وشاحنات وقود وصهاريج مياه ومنازل مدنية.

كما تعرضت الشاحنات والناقلات على الطريق الوطني الذي يربط الأبيض ببقية مناطق السودان للقصف، ما أدى إلى احتراق عدد كبير منها وتعطيل حركة نقل السلع والبضائع.

وتسبب استهداف محطات الوقود ونقص الإمدادات في توقف أجزاء واسعة من حركة النقل العام، بينما ارتفعت تكاليف المواصلات وأسعار المواد الغذائية والخبز والأدوية.

وقال سكان إن سعر برميل المياه ارتفع من خمسة آلاف إلى 25 ألف جنيه سوداني، بينما أصبحت المياه المتوفرة في عدد من المناطق مالحة وغير صالحة للشرب.

وأثرت الهجمات كذلك على الحياة اليومية والتعليم، إذ يخشى أولياء الأمور إرسال أطفالهم إلى المدارس بسبب استمرار تحليق الطائرات المسيّرة وسماع أصوات الانفجارات، فيما يسارع الأهالي إلى إخراج أبنائهم من المدارس عند وقوع أي غارة جديدة.

ورغم الحصار والتصعيد العسكري، يؤكد سكان الأبيض أنهم لا يتوقعون قدرة قوات الدعم السريع على اقتحام المدينة في ظل وجود الجيش السوداني، إلا أنهم يشكون من غياب أنظمة الدفاع الجوي القادرة على التصدي للطائرات المسيّرة.

وقال عبد الله إن السكان يشعرون بأن الجيش يوفر لهم الحماية من الهجوم البري، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون بخيبة أمل بسبب استمرار القصف الجوي وعجز القوات الحكومية عن وقف هجمات المسيّرات.

وحذر مسؤولون سودانيون من أن سقوط الأبيض قد يؤدي إلى تكرار الجرائم التي شهدتها الفاشر، التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بعد حصار طويل، قبل ارتكاب عمليات قتل واغتصاب وابتزاز وتهجير واسع بحق المدنيين.

وفي ظل استمرار الحصار، تتزايد الانتقادات للحكومة المحلية والسلطات السودانية بسبب عجزها عن توفير الحماية والخدمات الأساسية للسكان، فيما تعتمد عشرات آلاف الأسر النازحة على المساعدات التي تقدمها المنظمات الإنسانية.

ويواجه سكان الأبيض اليوم واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، حيث يقطع الأطفال مسافات طويلة للوصول إلى المدارس، ويذهب الموظفون إلى أعمالهم وسط انقطاع الكهرباء والمياه، بينما يعاني السكان من البطالة والفقر ونقص السيولة وارتفاع الأسعار.

ومع استمرار قوات الدعم السريع في تشديد الحصار واستهداف البنية التحتية المدنية، تتصاعد المخاوف من تحول الأبيض إلى كارثة إنسانية جديدة في السودان، وسط استمرار الاتهامات للإمارات بدعم القوات شبه العسكرية، وصمت دولي عن محاسبة الأطراف الخارجية المتهمة بتغذية الحرب التي دمرت البلاد وشردت الملايين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى