معهد واشنطن: وعود بمليارات تُثبت الدعم السياسي السعودي لسوريا بقيادة أحمد الشرع

في خطوةٍ ذات دلالة سياسية عميقة، شارك وفد سعودي رفيع المستوى مكوّن من أكثر من 130 رجل أعمال بقيادة وزير الاستثمار خالد الفالح في مؤتمر استثماري كبير نُظّم في العاصمة السورية دمشق، أواخر يوليو. ورغم أن الحدث تأجل سابقًا بسبب الحرب الإسرائيلية-الإيرانية التي استمرت 12 يومًا، فإن انعقاده لاحقًا شكّل لحظة مفصلية في تقارب الرياض ودمشق، وبالأخص دعماً للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، الذي أطاح ببشار الأسد في ديسمبر الماضي.
رهان سعودي على النظام الجديد
يرى معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن هذه الزيارة، والإعلان عنها بشكل رسمي خلال اجتماع مجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان بن عبدالعزيز في 22 يوليو، تؤشر إلى أن المملكة باتت تراهن بوضوح على دعم حكومة الشرع سياسيًا واقتصاديًا. ووفقًا للتحليل، فإن العاهل السعودي، الذي نادرًا ما يظهر علنًا، ترأس هذا الاجتماع الرمزي لتأكيد موافقته على التقارب مع النظام السوري الجديد.
الشرع، الذي كان يُصنّف سابقًا ضمن تيار “المتشددين السنة” من وجهة النظر الأميركية، نجح في نسج علاقة وثيقة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (مبس). وكانت زيارته الأولى إلى السعودية في فبراير قد مهدت لهذا التقارب. ويُذكر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال زيارته الخليجية في مايو، وصف الشرع بـ”الرجل الشاب الجذاب والقوي”، معلنًا رفع العقوبات التنفيذية عنه، وهو موقف تبنّاه “مبس” في وقت لاحق.
اتفاقيات مبدئية بمليارات الدولارات
ورغم غياب التفاصيل الدقيقة، إلا أن المؤتمر شهد توقيع نحو 47 اتفاقية تعاون، تغطي قطاعات الطاقة، والاتصالات، والخدمات المالية، والمصارف، وصناديق الاستثمار. وقد ساعد في الدفع بهذا الاتجاه توقيع مذكرة تفاهم نفطية في الرياض يوم 27 يوليو بين وزير النفط السوري محمد البشير ونظيره السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، الأخ غير الشقيق لولي العهد.
وارتفعت القيمة التقديرية للاتفاقيات من 4 مليارات دولار إلى 6 مليارات خلال أيام قليلة. غير أن صحيفة فاينانشال تايمز نقلت عن مصادر أن معظم هذه الاتفاقيات لا تزال في مراحلها التمهيدية، وتفتقر إلى خطة واضحة أو جدول زمني للتنفيذ.
مشاريع رمزية.. ودلالات سياسية
ورغم الحديث عن مليارات الدولارات، فإن المشاريع المعلنة حتى الآن بقيت متواضعة. فقد افتتح خالد الفالح ونظيره السوري مصنعًا لإنتاج الأسمنت بقيمة 20 مليون دولار قرب دمشق، كما وضع الوزير السعودي حجر الأساس لمشروع برج تجاري تموّله شركة سعودية باستثمار يبلغ نحو 100 مليون دولار.
لكن الفالح صرّح بشكل لافت: “سوريا تحتاج إلى مئات المليارات لإعادة الإعمار، وعشرات المليارات من الاستثمارات الإنتاجية الموجهة للأسواق الإقليمية والدولية.” وتشير تقديرات فاينانشال تايمز إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا بعد 14 عامًا من الحرب الأهلية تُقدّر بنحو 400 مليار دولار، في ظل غياب خطة وطنية شاملة أو قائمة أولويات واضحة حتى الآن.
منافسة خليجية في قطاع الطاقة
برز قطاع الطاقة بوصفه المحور الأهم للتعاون الدولي مع دمشق. فبالإضافة إلى الصفقة السورية القطرية بقيمة 7 مليارات دولار، استضافت دمشق وفودًا من دول أخرى مثل أذربيجان وتركيا والإمارات، التي تتنافس على مشاريع في البنية التحتية والطاقة، ما يفرض تحديًا على الحضور السعودي رغم حصول الرياض على ميزة نسبية بعد تسديدها جزءًا من ديون سوريا للبنك الدولي بالشراكة مع قطر.
وبحسب نشرة MEES المتخصصة في شؤون الطاقة، فإن مسؤولين أميركيين في قطاع النفط والغاز زاروا دمشق مؤخرًا لمناقشة مشاريع بنى تحتية، بينما بدأ الغاز الأذربيجاني بالتدفق من تركيا إلى شمال سوريا لتشغيل محطات توليد كهرباء، مما يزيد تعقيد المشهد أمام الرياض.
هشاشة أمنية واحتمالات محدودة
رغم هذا الزخم الاقتصادي، تظل البيئة السياسية في سوريا محفوفة بالمخاطر. فإعلان تنظيم انتخابات في سبتمبر المقبل لم يلقَ ترحيبًا دوليًا، إذ يُتوقع أن تكون شكلية في ظل غياب سيطرة الحكومة على كامل الأراضي السورية.
وتبرز السويداء، ذات الغالبية الدرزية، بوصفها بؤرة توتر مستمرة بعد مقتل مئات من سكانها في اشتباكات مع قبائل البدو. ويُعتقد أن إسرائيل، التي تضم أقلية درزية ذات نفوذ، تدخلت بشكل مباشر عبر قصف أهداف جنوب سوريا وفي دمشق.
وتفيد تقارير بأن هناك اتصالات غير معلنة بين دمشق والقدس تركز على الملف الدرزي ومسائل الحدود، دون تأكيدات بشأن إمكانية تزويد جنوب سوريا بالغاز الإسرائيلي، وهو سيناريو حساس سياسيًا وعسكريًا في آنٍ معًا.
وترى أوساط المراقبة السياسية أن المشاركة السعودية في مؤتمر دمشق لم تكن مجرد مبادرة اقتصادية، بل تعبير عن دعم سياسي سعودي واضح للنظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع. وفي الوقت الذي تسعى فيه الرياض إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، تحاول أيضًا تجاوز عقدة “الأسد” القديمة والانفتاح على سوريا ما بعد بشار، حتى وإن كانت الطريق لا تزال محفوفة بالمخاطر وعدم اليقين.















