تعافي أسواق الخليج بعد صدمة الحرب وسط تفاؤل حذر يدفع المؤشرات للصعود

استعادت أسواق الأسهم في دول الخليج جزءًا كبيرًا من خسائرها التي تكبدتها مع اندلاع الحرب المرتبطة بإيران، مدفوعة بتحسن شهية المخاطرة لدى المستثمرين وتراجع المخاوف من تصعيد طويل الأمد، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران كمحدد رئيسي للمرحلة المقبلة .
وأظهرت بيانات السوق أن الانتعاش الحالي يتزامن مع موجة صعود عالمية، حيث سجلت الأسواق الآسيوية مكاسب قوية، فيما بلغت الأسهم الأمريكية مستويات قياسية جديدة، وهو ما انعكس مباشرة على أسواق الخليج التي تأثرت بشدة في الأسابيع الأولى من النزاع.
وأكد محللون أن انخفاض علاوات المخاطر عالميًا ساهم في عودة الثقة تدريجيًا إلى المستثمرين.
وقال علي العدو، رئيس إدارة الأصول في شركة إنترست كابيتال، إن الأسواق بدأت بالفعل تسعير سيناريو إيجابي للمفاوضات، مشيرًا إلى أن المستثمرين ينظرون إلى المرحلة الحالية من منظور طويل الأجل، ما يدعم موجة التعافي الحالية .
ورغم هذا التحسن، لا تزال حالة الترقب تسيطر على الأسواق، في ظل استمرار هشاشة وقف إطلاق النار بين الطرفين، وتعثر المسار الدبلوماسي. وتشير التقديرات إلى أن أي تدهور في الوضع قد يعيد الضغوط بسرعة إلى الأسواق المالية.
وشهدت أسعار النفط ارتفاعًا بنحو 5% خلال الفترة الأخيرة، مدفوعة بحالة عدم اليقين المرتبطة بمصير وقف إطلاق النار، ما انعكس إيجابًا على اقتصادات دول الخليج المعتمدة على الطاقة، لكنه في الوقت ذاته يظل عامل تقلب رئيسي في حال استمرار التوترات.
وتُظهر المؤشرات أن أسواق الخليج تعرضت لخسائر حادة في بداية الحرب، حيث تراجع مؤشر سوق دبي المالي بنحو 19%، ودخل مرحلة السوق الهابطة بعد انخفاضه بأكثر من 20% من أعلى مستوياته. كما تكبدت سوق أبوظبي خسائر تقارب 10% خلال نفس الفترة.
في المقابل، تمكنت هذه الأسواق من استعادة نحو نصف خسائرها، حيث تقلصت خسائر دبي إلى نحو 9% منذ بداية النزاع، بينما تراجعت خسائر أبوظبي إلى نحو 5%.
كما شهدت السوق القطرية تحسنًا ملحوظًا، بعد أن تراجعت خسائرها إلى نحو 1.3% فقط مقارنة بالانخفاضات الأولية .
وسجلت أسواق أخرى أداءً أقوى، حيث حقق السوق السعودي مكاسب تجاوزت 6% منذ مارس، فيما سجلت سوق سلطنة عمان ارتفاعًا بأكثر من 11%، وارتفعت السوق الكويتية بنحو 4%، ما يعكس تفاوتًا في وتيرة التعافي بين الدول.
وتركزت الخسائر في البداية في قطاعات العقارات والبنوك، حيث تكبدت شركات كبرى مثل إعمار العقارية خسائر كبيرة، وصلت إلى نحو 22% من قيمتها السوقية منذ بداية الحرب، قبل أن تبدأ في التعافي تدريجيًا.
وتعكس هذه التحركات ارتباط أسواق الخليج الوثيق بأسواق الطاقة، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز خلال الأسابيع الأولى من النزاع إلى صدمة في إمدادات الطاقة العالمية، قبل أن تعيد إيران فتحه جزئيًا، ثم تتراجع عن القرار مع استمرار الضغوط الأمريكية.
ويمثل هذا التطور أحد أبرز مصادر القلق، إذ يحذر محللون من أن أي اضطراب طويل الأمد في المضيق قد يحد من مكاسب الأسواق ويعيد حالة عدم الاستقرار.
وقال أحمد عسيري، استراتيجي الأبحاث في شركة Pepperstone، إن الأسواق لم تعد تركز فقط على العناوين الرئيسية، بل على نتائج المسار السياسي، متوقعًا أن تكون المرحلة المقبلة أكثر انتقائية، مع بروز فرص في قطاعات محددة مثل البنوك والطاقة.
في السياق ذاته، أشار خبراء إلى أن التعافي الحالي لا يعني اختفاء المخاطر، بل يعكس قدرة الأسواق على التكيف مع الصدمات الجيوسياسية، معتبرين أن المستثمرين باتوا يتعاملون مع الحرب كعامل مستمر وليس حدثًا استثنائيًا.
وساهم الأداء القوي للأسواق العالمية في دعم هذا الاتجاه، حيث سجلت مؤشرات آسيوية وأمريكية مستويات قياسية، ما عزز شهية المخاطرة عالميًا، وانعكس إيجابًا على الأسواق الناشئة، بما في ذلك دول الخليج.
وتشير التقديرات إلى أن استمرار هذا الزخم يعتمد بشكل أساسي على نجاح المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران.
وفي حال التوصل إلى اتفاق، قد تشهد الأسواق موجة صعود جديدة، مدفوعة بتحسن الثقة واستقرار أسعار الطاقة.
في المقابل، يحذر محللون من أن انهيار المفاوضات أو تجدد التصعيد العسكري قد يؤدي إلى موجة بيع جديدة، خاصة في ظل حساسية الأسواق لأي تطورات مفاجئة.
وتعكس هذه المعطيات مرحلة انتقالية تمر بها أسواق الخليج، حيث يتداخل التفاؤل الحذر مع المخاطر القائمة، ما يجعل الاتجاه المستقبلي مرهونًا بتطورات المشهد الجيوسياسي.















