نيويورك تايمز: قطر تحاول فتح قناة وساطة بين الولايات المتحدة وفنزويلا

كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن دولة قطر تحاول فتح قناة خلفية بين الولايات المتحدة وفنزويلا، في وقتٍ يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهج التصعيد العسكري في البحر الكاريبي.
وبحسب الصحيفة فإن المساعي القطرية تأتي في لحظة توتر حادّ، حيث حشدت واشنطن ثماني سفن حربية وغواصة قرب السواحل الفنزويلية، ونفّذت أربع ضربات قاتلة ضد زوارق مدنية، ما أسفر عن مقتل 21 شخصًا على الأقل.
وبينما تسعى قطر إلى الوساطة عبر أدواتها المعروفة من الحوار الهادئ والدبلوماسية المتعددة الأطراف، يختار ترامب لغة القوة والردع العسكري، في مشهد يعكس التناقض بين نهجين متعارضين تمامًا: دبلوماسية التهدئة مقابل سياسة البوارج.
خلفية الأزمة: من الاتهامات إلى التهديد
تعود جذور الأزمة إلى اتهامات قديمة وجهتها واشنطن للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بالضلوع في تجارة المخدرات منذ عام 2020، حين أصدرت وزارة العدل الأميركية لائحة اتهام بحقه.
ومع عودة ترامب إلى السلطة، أحيا مستشاروه القدامى — وعلى رأسهم ماركو روبيو، وجون راتكليف، وستيفن ميلر — فكرة الإطاحة بمادورو، عبر استراتيجية ضغط مزدوجة: العقوبات الاقتصادية من جهة، والتهديد العسكري من جهة أخرى.
ففي حين تصف إدارة ترامب مادورو بـ“الزعيم غير الشرعي”، تسعى بعض القوى الإقليمية، ومنها قطر، إلى إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة لتجنب مواجهة كارثية قد تمتد من فنزويلا إلى الكاريبي وكولومبيا.
لكنّ المؤشرات الأخيرة، مثل وقف المبعوث ريتشارد غرينيل جهوده الدبلوماسية بأمر من ترامب، تؤكد أن البيت الأبيض يميل نحو الخيار العسكري الخشن بدل الحوار المنظم.
قطر: الوسيط الموثوق في أزمات معقدة
بحسب ما نقلته نيويورك تايمز عن مسؤولين أميركيين وفنزويليين، فإن قطر لعبت خلال عامي 2023 و2024 دورًا فاعلاً في تسهيل محادثات غير معلنة بين واشنطن وكاراكاس.
استضافت الدوحة لقاءات سرّية بين مسؤولين أميركيين والمفاوض الفنزويلي البارز خورخي رودريغيز، كما ساعدت في صياغة محاضر الاجتماعات وتبادل الوثائق الحساسة، في إطار ما وصفه المسؤول الأميركي خوان غونزاليس بـ”الوساطة الصامتة والفعالة”.
تأتي هذه الجهود في سياق أوسع من الانخراط القطري المتزايد في الدبلوماسية المتعددة المسارات. فإلى جانب الملف الفنزويلي، تشارك الدوحة حاليًا في اثني عشر مسارًا تفاوضيًا حول العالم، تشمل النزاع في غزة، والأزمة في إثيوبيا والسودان وأفغانستان، ما يجعلها — وفق مراقبين — “الدولة الصغيرة ذات الأدوار الكبيرة” في هندسة السياسة الدولية.
لكنّ اللافت أن إدارة ترامب لم تُظهر تجاوبًا فعليًا مع المبادرات القطرية، رغم أن فريق مادورو رحّب بها بوصفها فرصة لتجنب مواجهة عسكرية مدمّرة. ويقول غونزاليس إن ترامب “رفض حتى الاعتراف رسميًا بالجهود القطرية”، في مؤشر على رغبة البيت الأبيض في قطع الطريق على أي وساطة قد تعرقل خططه التصعيدية.
التصعيد العسكري: عودة “عقيدة القوة”
في الوقت الذي تتحرك فيه قطر دبلوماسيًا، تتخذ الإدارة الأميركية خطوات عسكرية مقلقة.
فقد أكدت مصادر عسكرية لـنيويورك تايمز أن نحو 4500 بحّار ومارينز ينتشرون الآن في البحر الكاريبي على متن السفن والغواصة، إضافة إلى 5500 جندي في بورتو ريكو يدعمون عمليات الاستطلاع والهجوم بطائرات F-35 وMQ-9.
ويُعتقد أن هذه التحركات تهدف إلى تهيئة الميدان لعمليات أوسع نطاقًا قد تمتد داخل الأراضي الفنزويلية.
وجاء هذا التصعيد متزامنًا مع إصدار إدارة ترامب إشعارًا سريًا إلى الكونغرس تصف فيه الوضع بأنه “نزاع مسلح مع عصابات المخدرات”، وهي صيغة غامضة اعتبرها المشرّعون محاولة لتجاوز الإطار القانوني لاستخدام القوة.
وقد طالب خمسة من زعماء الحزب الديمقراطي في مجلس النواب الرئيس بتوضيح الأساس القانوني لهذه الضربات ضد مدنيين، محذرين من أن ترامب “يخلق فئة جديدة لا وجود لها في القانون الدولي” لتبرير القصف.
بين القوة والدبلوماسية: توازن مفقود
تُظهر الوقائع الميدانية أن واشنطن — في عهد ترامب — تبتعد تدريجيًا عن نهج الدبلوماسية المعقدة التي تبنتها إدارات سابقة، مثل تلك التي قادها بايدن وغونزاليس عبر الحوار مع مادورو حول إطلاق السجناء والعقوبات والنفط.
فقد كان غرينيل (مبعوث ترامب الخاص) المفاوض الرئيسي في تلك الملفات، قبل أن يُؤمر بوقف الاتصالات.
من جانبه، واصل مادورو إرسال رسائل مباشرة إلى ترامب يؤكد فيها استعداده “لإعادة فتح خطوط الاتصال”، لكن البيت الأبيض تجاهلها، مما دفع بعض المسؤولين الفنزويليين إلى التلويح بوقف التعاون في ملف الهجرة والترحيل.
وهنا يظهر الدور القطري كمساحة توازن ضرورية — تحاول الدوحة منع انهيار ما تبقى من قنوات التواصل بين واشنطن وكاراكاس، وتحويل الأزمة من مواجهة مفتوحة إلى مسار تفاوضي منظم.
لكن، كما يشير مراقبون، فإن نجاح الدبلوماسية القطرية مرتبط بمدى استعداد واشنطن للاعتراف بجدوى الحوار، وهو ما يبدو مستبعدًا في ظل مقاربة ترامب التي تميل إلى “الهيبة العسكرية” على حساب الحلول السياسية.
البعد الاقتصادي: مصالح الغاز والنفط
من زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي في التحرك القطري. ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، وقطر — باعتبارها أكبر مصدّر للغاز المسال — تسعى لتوسيع شراكاتها في قطاع الطاقة الفنزويلي.
لكن هذه المساعي التجارية، بحسب دبلوماسيين غربيين، تندمج في إطار رؤية سياسية أوسع: بناء مكانة لقطر كـ“جسر بين الشرق والغرب” في قضايا الطاقة والسياسة معًا.
وتكشف الأزمة الحالية أن قطر تمارس دبلوماسية مختلفة عن سائر القوى الإقليمية: فهي لا تفرض شروطًا ولا تراهن على السلاح، بل تستثمر في الحوار والاتصال المستمر، حتى في أصعب البيئات.
ومع انزلاق إدارة ترامب نحو منطق “الردع العسكري” في فنزويلا، تبدو الوساطة القطرية محاولة نادرة لإبقاء الباب مواربًا أمام السياسة، لا سيما في منطقة لم تعرف منذ عقود سوى الانقلابات والعقوبات والتدخلات.
في النهاية، بينما تتحرك السفن الأميركية في الكاريبي، تتحرك الديبلوماسية القطرية بصمت في الدوحة، بين المحاضر والرسائل السرية.















