سلمان الأنصاري: 10 طعنات من أبوظبي في ظهر القاهرة
قراءة في مسار التوتر الصامت بين مصر والإمارات

بحسب الباحث السياسي ورجل الأعمال السعودي سلمان الأنصاري، فإن العلاقات المصرية–الإماراتية لم تكن في أي مرحلة مطابقة للصورة العلنية التي رُوج لها إعلاميا، مشيرا إلى أن ما جرى بين العاصمتين خلال أكثر من عقد تجاوز حدود الخلافات العابرة ليصل إلى مستوى تهديد مباشر للأمن القومي والسيادة المصرية.
ويستهل الأنصاري قراءته بالإشارة إلى ما وصفه بـ«مفاجأة غابت عن كثيرين»، تتمثل – بحسب قوله – في قيام القاهرة يوم 9 يناير 2026 باستهداف شحنات أسلحة ومدرعات إماراتية في المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا، وذلك بعد 10 أيام فقط من قصف سعودي لأسلحة ومدرعات إماراتية في ميناء المكلا باليمن بتاريخ 30 ديسمبر 2025. ويرى أن هاتين الخطوتين حملتا رسائل سياسية وأمنية شديدة الوضوح.
وأوضح الأنصاري أن العلاقة بين القاهرة وأبوظبي اتسمت منذ سنوات بمسار مزدوج؛ دعم معلن وتحالف ظاهري، يقابله – وفق توصيفه – مسار خفي تحركت فيه أبوظبي بأدوار «وظيفية» هدفت إلى تطويق مصر سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا وإعلاميا، مستغلة حساسيات القاهرة المرتبطة بالأمن والاقتصاد.
استراتيجية تراكمية لا سوء تفاهم
وبحسب الأنصاري، فإن ما جرى لم يكن نتيجة سوء تقدير أو تباين عابر، بل استراتيجية تراكمية بدأت بتقويض الدور المصري في ملفات إقليمية محورية، وانتهت بتهديد مباشر لمفهوم السيادة المصرية.
وعدّد الكاتب جملة من الملفات التي يرى أنها شكلت «طعنات استراتيجية متراكمة»، أبرزها:
-
تعطيل مساعي مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة في شرق المتوسط.
-
الضغط لإفشال أي تقارب مصري–تركي لإبقاء القاهرة رهينة الاستقطاب الإقليمي.
-
تهميش الدور المصري في ملف التطبيع والتشويش على جهود القاهرة في غزة وفلسطين.
-
الانحياز الصريح لإثيوبيا في ملف سد النهضة، الذي يمثل – بحسبه – تهديدا وجوديا لمصر.
-
الاصطدام مع الرؤية المصرية في ليبيا عبر دعم المسار العسكري على حساب الحل السياسي.
-
دعم ميليشيا الدعم السريع في السودان، بما شكّل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري.
-
تقويض سيادة الصومال وتجنيد شبابه في صراعات إقليمية.
-
محاولات التغلغل في مفاصل اقتصادية وسيادية مصرية حساسة، من الموانئ إلى المشروعات الكبرى.
-
توظيف الإعلام والتمويل الناعم للتأثير في الرأي العام المصري.
-
السعي للهيمنة على الممرات البحرية الاستراتيجية من باب المندب إلى شرق أفريقيا.
سد النهضة: انحياز لا حياد
وفي ملف سد النهضة، أشار الأنصاري إلى أن التناقض بلغ حد الصدام غير المعلن، موضحا أنه في يونيو 2018 أعلنت أبوظبي إيداع مليار دولار في البنك المركزي الإثيوبي خلال زيارة رسمية إلى أديس أبابا، فيما كشفت تقارير دولية أن الاستثمارات والمساعدات الإماراتية لإثيوبيا تجاوزت 3 مليارات دولار، وشملت دعما لوجستيا وأمنيا غير مباشر لحماية السد، وهو ما اعتبره «انحيازا مباشرا ضد الأمن المائي المصري».
شرق المتوسط وإقصاء القاهرة
وفي سياق الطاقة، لفت الأنصاري إلى أن القاهرة سعت لتكريس موقعها كمركز إقليمي لتسييل الغاز بعد اكتشافات شرق المتوسط، إلا أن أبوظبي – بحسبه – دعمت في سبتمبر 2020 مشروعا إسرائيليا–يونانيا–قبرصيا بقيمة تقارب 890 مليون دولار لمد كابل كهرباء بحري إلى أوروبا، متجاوزة الدور المصري رغم عضوية مصر الرئيسية في منتدى غاز شرق المتوسط.
ليبيا ورفض المسار السياسي
أما في ليبيا، فأوضح الأنصاري أن القاهرة دعمت منذ أواخر 2020 مسار الحل السياسي والانخراط مع طرابلس، وهو ما لاقى ترحيبا ليبيا، لكنه أثار استياء أبوظبي التي – وفق تحليله – كانت ترى في استمرار الخيار العسكري مساحة أوسع لنفوذها.
وأشار إلى اجتماع عقد في 16 أبريل 2021 في قبرص ضم اليونان وقبرص وإسرائيل وممثلا إماراتيا رفيعا، في غياب لافت لمصر، معتبرا أن مشاركة أبوظبي في اجتماع لا تملك فيه صفة جغرافية أو قانونية أثارت دهشة القاهرة. وذكّر بتحليلات نشرتها صحف إسرائيلية وتركية آنذاك ربطت هذا التحرك بمحاولات احتواء تركيا ومنع أي تقارب مصري–تركي.
السودان: من النفوذ إلى التهديد
وفي السودان، أكد الأنصاري أن الدعم الإماراتي لميليشيا الدعم السريع تجاوز الخطوط الحمراء المصرية. ولفت إلى كلمة مصر أمام مجلس الأمن في 18 ديسمبر 2025 التي اعتبرت أي مساس بوحدة السودان تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، إضافة إلى تقارير فرنسية وأفريقية تحدثت عن تسليح الميليشيات بطائرات مسيرة وتهريب سلاح عبر ليبيا وتشاد وبونتلاند.
وبحسب الأنصاري، امتد هذا النهج إلى الصومال عبر دعم قوى انفصالية واستخدام موانئ في أرض الصومال لتهريب السلاح، إضافة إلى تجنيد شبان فقراء وإرسالهم إلى مناطق نزاع.
وأشار إلى إعلان الحكومة الصومالية في 12 يناير 2026 إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات، متهمة إياها بتقويض السيادة الوطنية.
النفوذ الاقتصادي والإعلامي
اقتصاديا، تحدث الأنصاري عن محاولات إماراتية للتغلغل في موانئ قريبة من قناة السويس ومشروعات سيادية كالعاصمة الإدارية ورأس الحكمة، مؤكدا أن القاهرة تعاملت مع هذه الملفات بحذر لمنع أي مساس بالسيادة.
أما إعلاميا، فقال إن أبوظبي نفذت واحدة من أوسع عمليات شراء النفوذ الإعلامي داخل مصر منذ عام 2013، قبل أن تتخذ القاهرة قرارا سياديا في 2020 بإخراج هذا النفوذ، ليعود لاحقا – وفق وصفه – بآليات أكثر تعقيدا عبر تمويل إعلاميين ومراكز تأثير.
ويرى الأنصاري أن الضربات الأخيرة ضد شحنات الأسلحة الإماراتية، سواء في اليمن أو على الحدود الليبية–السودانية، شكلت رسائل صامتة بأن القاهرة والرياض بدأتا ترسيم خطوطهما الحمراء عمليا، مؤكدا أن تشديد الخناق على مسارات تهريب السلاح ساهم في إضعاف ميليشيا الدعم السريع وتقدم الجيش السوداني.
ويخلص سلمان الأنصاري إلى أن ما قامت به أبوظبي – بحسب توصيفه – لم يكن شراكة بل «عملية احتيال سياسي» هدفت إلى تطويق مصر واستغلال هواجسها الأمنية والاقتصادية، مؤكدا أن ما يجري اليوم ليس خلافا شخصيا أو اقتصاديا، بل صدام بين مفهوم الدولة السيادية ومفهوم «الدولة الوظيفية».
ويشير في ختام مقاله إلى تفاؤله بالمستقبل، مستشهدا بتصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن «مصر والسعودية جناحا الأمن القومي العربي»، معتبرا أن فرد هذين الجناحين يمثل تحولا استراتيجيا في الإقليم.















