إسرائيل تستعجل الخيار العسكري مع اقتراب الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران

مع اقتراب المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران من التوصل إلى اتفاق أولي، تزداد المخاوف من أن تُقدِم إسرائيل على الخيار العسكري الأحادي بمهاجمة المنشآت الإيرانية.
هذا السيناريو الذي كشفته شبكة NBC الأميركية لم يعد افتراضًا أو مجرد ورقة ضغط تفاوضي، بل تحول إلى خيار يتم التحضير له بجدية داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وسط تردد أميركي، وتقديرات استخباراتية تشير إلى اقتراب إيران من تعزيز قدراتها الدفاعية الجوية، الأمر الذي يضيّق أمام إسرائيل “النافذة الزمنية” للعمل العسكري الفعال.
وبحسب ما نقلته الشبكة عن مصادر مطلعة، فإن إسرائيل ترى أن الاتفاق النووي المحتمل، الذي يتضمن بنودًا بشأن تخصيب اليورانيوم لا تلبي الحد الأدنى من متطلباتها الأمنية، يشكل تهديدًا وجوديًا.
ومع أن الضربة الإسرائيلية المحتملة ما زالت غير مؤكدة، فإن الاستعدادات في كل من واشنطن وتل أبيب دخلت مرحلة متقدمة تعكس جدية الطرح.
سباق مع الزمن
وفقًا لتقارير NBC، فإن أحد أبرز دوافع إسرائيل لتسريع الخيار العسكري يتمثل في قيام إيران بإعادة بناء دفاعاتها الجوية الاستراتيجية.
إذ أن هذه الخطوة، التي تشمل تفعيل أنظمة متطورة وتحديث شبكات الرادار والصواريخ المضادة للطائرات، ستجعل تنفيذ أي هجوم جوي مأهول أكثر خطورة، بل وربما مستحيلًا خلال أشهر قليلة.
يُذكر أن إسرائيل لطالما اعتمدت على أسلوب “الضربة الوقائية”، خصوصًا عندما تشعر بأن التهديد الإيراني يقترب من مرحلة “اللاعودة” تقنيًا وهذا ما يفسر إقدامها على عمليات نوعية في السابق، مثل استهداف المفاعل السوري عام 2007، أو اغتيال علماء نوويين إيرانيين.
في هذا السياق، فإن إعادة تموضع إيران الدفاعي تمثل – من وجهة النظر الإسرائيلية – لحظة حرجة تستدعي الحسم قبل فوات الأوان.
وهو ما يفسر القلق المتصاعد في واشنطن، التي تشهد نقاشًا داخليًا حول مدى استعداد إدارة بايدن (أو ما تبقى من إرث إدارة ترامب) لمواجهة تبعات أي عمل عسكري أحادي.
واشنطن تراقب… وتتحسب دون التورط
ورغم التحركات الإسرائيلية، فإن البيت الأبيض لم يطلع حتى الآن كبار المشرعين الأميركيين على طبيعة التهديدات أو السيناريوهات المتوقعة، بحسب الشبكة.
هذه السرية تعكس ارتباكًا داخل الإدارة الأميركية، بين الرغبة في احتواء الموقف وعدم التصعيد، وبين إدراك أن تجاهل الأمر قد يفجّر المنطقة في أي لحظة.
تعبير “الدعم الأميركي لإسرائيل قد يقتصر على التزود بالوقود جوًا أو تبادل المعلومات الاستخباراتية”، بحسب التقرير، يكشف عن تردد واضح في الانخراط المباشر.
وقد تكون الإدارة الأميركية غير راغبة، في هذه المرحلة، في التورط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، خاصة بعد الأعباء التي خلّفتها سنوات من التورط العسكري في العراق وأفغانستان.
ورغم ذلك، فإن مؤشرات على التحضيرات الدفاعية باتت واضحة: أوامر أُصدرت لجميع السفارات الأميركية الواقعة ضمن مدى الأصول الإيرانية بإرسال تقييمات مخاطر، وتحليل السيناريوهات المحتملة.
بل إن قائد القيادة المركزية الأميركية اضطر لإلغاء جلسة استماع مقررة في الكونغرس، بسبب انشغاله بالتطورات الجارية في الشرق الأوسط.
ويرى مايكل نايتس، الباحث في معهد واشنطن، أن قرارات مثل إجلاء الموظفين غير الأساسيين من السفارة الأميركية في بغداد توصل رسالة لطهران فحواها أن واشنطن لن تعيق إسرائيل عن تنفيذ تهديداتها، في محاولة لدفع إيران لاحترام خطوط البيت الأبيض الحمراء.
هوس إسرائيلي بالهيمنة… ومأزق تفاوضي متصاعد
ترتكز المقاربة الإسرائيلية تجاه إيران على افتراضات أمنية متشددة. فبغض النظر عن طبيعة الاتفاقات النووية، فإن تل أبيب تعتبر مجرد امتلاك إيران لقدرات تخصيب متقدمة أو خبرات نووية تهديدًا طويل الأمد، بغضّ النظر عن نية طهران المعلنة.
لذلك فإن أي اتفاق لا ينزع البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني بالكامل سيظل، بنظر إسرائيل، غير مقبول.
وهذا ما يجعل تل أبيب على استعداد للمجازفة حتى دون غطاء أميركي واضح، وهو ما يُقلق مراكز صنع القرار في واشنطن، التي تعرف أن انفجار الصراع في هذا التوقيت سيغيّر أولويات الإدارة ويقلب حسابات المنطقة رأسًا على عقب.
من جهة أخرى، فإن إسرائيل، باندفاعها نحو هذا الخيار، تحاول فرض شروطها على طاولة التفاوض، عبر تصعيد الضغوط وإظهار قدرتها على التخريب العسكري في أي لحظة. وهو أسلوب مألوف من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، خصوصًا حين تتقاطع المصالح الأميركية والإسرائيلية حول الملف النووي الإيراني.
لكن هذا التصعيد يحمل مخاطرة كبرى: ضربة إسرائيلية دون تنسيق مع واشنطن قد تدفع إيران إلى الرد بطريقة تقلب المعادلة، خصوصًا أن طهران باتت تنشط في عدة جبهات، من اليمن إلى العراق ولبنان وسوريا، ما يفتح المجال أمام صراع متعدد المستويات والجبهات، لا تملك إسرائيل ولا واشنطن السيطرة عليه.















