الإمارات تصنع اقتصادًا مموّهًا للحرب: الطائرات المسيّرة كسلاح نفوذ عابر للحدود

سلط تحليل حديث صادر من جامعة لندن للاقتصاد، الضوء على نجاح دولة الإمارات العربية المتحدة في صناعة اقتصادًا مموّهًا للحرب من خلال التركيز على الطائرات المسيّرة كسلاح نفوذ عابر للحدود.

وبحسب التحليل فإن أبو ظبي من خلال نموذج تسليح غير تقليدي، باتت تصدّر الطائرات بدون طيار (UAVs) إلى جماعات مسلحة في الشرق الأوسط وإفريقيا، دون أن تضع علمها رسميًا على أي سلاح.

وقال التحليل إن هذا النموذج لا يعتمد على توريد مباشر أو صفقات معلنة، بل على شحنات مجزأة، خطوط إمداد معقّدة، وإعادة تركيب ميداني للطائرات، غالبًا في دول ضعيفة السيطرة أو فاشلة سياسيًا.

وتُظهر الحالة السودانية هذه الديناميكية بوضوح: فـ”قوات الدعم السريع” – ميليشيا شبه عسكرية منحدرة من الجنجويد – باتت تستخدم طائرات مسيّرة في حربها ضد الجيش السوداني، في مشهد يبدّل قواعد الحرب التقليدية.

وذكر التحليل أن هذه المسيّرات، التي زُوّدت بها عبر قنوات لوجستية متشعبة تمر بتشاد وأوغندا وليبيا، لا تحمل شارة إماراتية، لكنها تخدم أجندة إماراتية: ترجيح كفة طرف غير حكومي يضمن نفوذ أبوظبي في صلب توازنات السلطة. وبغياب أي التزام قانوني، تحقق الإمارات تأثيرًا مباشرًا دون مخاطرة سياسية أو عسكرية.

اقتصاد ظلّ للتسليح والتأثير

من الناحية التقنية، لم تعد الطائرات بدون طيار رفاهية عسكرية. مع هبوط كلفتها وسهولة شحنها وتعديلها، تحولت إلى أدوات قتال واستطلاع متاحة للميليشيات، العصابات، وحتى الجيوش الرديفة.

هذا التحول ساهم في نشوء “اقتصاد تسليح جديد”، حيث لم تعد الطائرات الحربية بحاجة لمدرجات أو قواعد عسكرية، بل يكفي شاحنات خفيفة وطواقم تقنية.

في هذا السوق، برزت الإمارات كمصدر رئيس، ليس فقط بالشراء من الصين أو صربيا أو كوريا الجنوبية، بل بإعادة تصدير هذه التكنولوجيا، غالبًا بطريقة سرية، إلى شركاء غير نظاميين.

ومن الجنوب اليمني إلى غرب ليبيا ومن دارفور إلى الساحل الإفريقي، تتكرر بصمة الطائرات بدون طيار الإماراتية، ليس بأسمائها بل بنتائجها: تفوق ميداني لقوى انفصالية أو ميليشيات حليفة، مقابل تآكل مؤسسات الدولة.

وما يجعل هذه الطائرات مثالية في “دبلوماسية الحرب”، هو قابليتها للإنكار. يمكن إرسالها في شكل مكوّنات إلكترونية، وتغليفها كمساعدات إنسانية، أو تمريرها عبر وسطاء تجاريين. هذه الميزة تُسقط أي مساءلة قانونية، وتمنح أبوظبي هامش مناورة غير متاح لقوى كبرى أكثر خضوعًا للمحاسبة السياسية.

حرب متعددة الأطراف… ولا أحد يريد النصر

اللافت أن الإمارات ليست وحدها في هذا المضمار. تركيا وإيران تلعبان اللعبة ذاتها: تصدّر طهران طائرات “مهاجر” و”أبابيل” للجيش السوداني، بينما تدعم أنقرة حكومة طرابلس وميليشيات أخرى في إفريقيا بطائرات “بيرقدار”.

النتيجة هي سباق تسلّح غير معلن، لكنه دائم، حيث تتسابق العواصم على دعم حلفائها المحليين بمنصات طيران صغيرة لكن مؤثرة.

لكن هذه “الحروب الجوية بالوكالة” لا تهدف إلى نصر شامل. الغاية منها إدامة النفوذ، إرباك الخصوم، وربما الأهم: منع قيام دول مستقرة. لا يوجد تحالف دائم أو هدف وطني جامع، بل شبكات نفوذ تتقاطع عند نقطة واحدة: السيطرة على الميدان، ولو مؤقتًا.

في هذا السياق، تتحول الطائرات المسيّرة إلى أدوات لإنتاج اللاحسم: معادلة كفة طرف دون إسقاط الآخر. وهنا تكمن خطورة الدور الإماراتي – ليس في الدعم التقني فحسب، بل في إعادة تشكيل منطق الحرب نفسه.

فبدل أن تكون الحروب وسيلة لإنهاء النزاعات، تصبح أداة لاستمرارها بشروط جديدة، دون أن يكون لدولة ما بصمة واضحة، أو مصلحة تُحاسب عليها.

هندسة الفوضى بأجنحة بلا طيّار

من مرافئ عدن إلى تخوم الخرطوم وحدود الساحل الإفريقي، تُدار الحروب بطائرات لا تحمل رايات، وتحالفات لا يُصادق عليها في مؤتمرات. ما تفعله الإمارات هو بناء نموذج جديد من النفوذ: حرب يمكن إنكارها، وتحالف يمكن تفكيكه، وتأثير يمكن مضاعفته من دون وجود عسكري على الأرض.

إنها “هندسة الفوضى”، حيث يتحول السلاح إلى سلعة، والطائرة إلى رسالة، والدمار إلى نفوذ. وبينما يتصارع الآخرون على طاولة الدبلوماسية، تُرسم الخرائط الحقيقية من الجو، بطائرات صغيرة… لكن بأثر جيوسياسي ضخم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى