ترامب يرفع الجزء الأكبر من العقوبات الأميركية على سوريا

في خطوة مفاجئة، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يوم الإثنين يقضي بإنهاء معظم العقوبات المفروضة على سوريا منذ عقود، في ما وصفته واشنطن بأنه جزء من “دعم مسار الاستقرار والسلام” في البلاد التي أنهكتها الحرب الأهلية.
وجاء توقيع القرار بعد أسابيع من الإعلان عنه خلال خطاب ألقاه ترامب في العاصمة السعودية الرياض، حيث التقى أيضًا بأحمد الشرع، الرئيس السوري المؤقت الذي تولى السلطة بعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وقالت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت، للصحفيين قبل توقيع القرار إن “الرئيس ترامب ملتزم بدعم سوريا موحّدة، مستقرة، وفي سلام مع نفسها ومع جيرانها”، مضيفة أن “رفع العقوبات سيساعد في إطلاق عجلة إعادة الإعمار والانتعاش الاقتصادي”.
لكنّ البيت الأبيض أكد في الوقت نفسه أن العقوبات ستبقى مفروضة على رموز النظام السابق، وعلى رأسهم بشار الأسد، إلى جانب شركائه ومنتهكي حقوق الإنسان وتجار المخدرات والمتورطين في استخدام الأسلحة الكيميائية، بالإضافة إلى عناصر تنظيم داعش وحلفائهم، ووكلاء إيران.
حكومة الشرع تنال دعمًا دوليًا
فيما رحب وزير الخارجية السوري المؤقت، أسعد الشيباني، بالخطوة الأميركية، واصفًا إياها بـ”التحوّل المفصلي” في مسار سوريا نحو إعادة بناء الدولة والانفتاح على المجتمع الدولي.
وقال في منشور على منصة X: “رفع العقوبات يزيل أحد أبرز العوائق أمام التعافي، ويفتح المجال أمام تنمية حقيقية وتأهيل للبنية التحتية تمهيدًا لعودة ملايين النازحين”.
نُرحب بإلغاء الجزء الأكبر من برنامج العقوبات المفروضة على الجمهورية العربية السورية، بموجب القرار التنفيذي التاريخي الصادر عن الرئيس ترامب، يمثل هذا القرار نقطة تحول مهمة من شأنها أن تُسهم في دفع سوريا نحو مرحلة جديدة من الازدهار والاستقرار والانفتاح على المجتمع الدولي.
— أسعد حسن الشيباني (@AsaadHShaibani) June 30, 2025
وكانت الولايات المتحدة قد رفعت في ديسمبر المكافأة التي كانت مرصودة للقبض على الشرع، والتي بلغت 10 ملايين دولار، وهو ما فُسّر على أنه مؤشر مبكر على قبول واشنطن بالأمر الواقع السياسي الجديد في دمشق.
ويُشار إلى أن الشرع، وهو مقاتل سابق في صفوف القاعدة خلال الاحتلال الأميركي للعراق، أصبح قائدًا لفصيل متمرد سيطر على حلب قبل أن يتقدم نحو دمشق ويطيح بالنظام في أواخر العام الماضي.
تراجع العقوبات بعد نصف قرن من القيود
يمثل القرار الأميركي نهايةً لحقبة امتدت لنحو خمسة عقود من العقوبات التي فرضتها واشنطن على سوريا، بدأت منذ تصنيفها دولة راعية للإرهاب عام 1979 إثر خلافات مع إدارة جيمي كارتر بشأن دور دمشق في الحرب الأهلية اللبنانية.
ورغم بعض التفاهمات المحدودة خلال إدارة بيل كلينتون، فإن العقوبات تصاعدت بشكل كبير بعد عام 2004 عندما اتّهمت إدارة جورج بوش الابن دمشق بحيازة أسلحة دمار شامل ودعم جماعات مسلحة كحزب الله وحماس، فضلًا عن زعزعة استقرار العراق بعد الغزو الأميركي.
وفي 2011، بلغت العقوبات ذروتها بعد اندلاع الثورة السورية، حيث فرضت واشنطن، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، عقوبات قاسية شملت تجميد الأصول، وحظر الصادرات، ومنع التعامل مع الكيانات المرتبطة بالنظام السوري.
وفي 2019، أقرّ الكونغرس قانون “قيصر لحماية المدنيين في سوريا”، والذي منح الولايات المتحدة صلاحيات واسعة لفرض عقوبات ثانوية على الشركات والأفراد من دول أخرى إذا تعاملوا مع النظام السوري أو الجهات الخاضعة للعقوبات.
وكان لهذا القانون تأثير بالغ على الاقتصاد السوري، حيث تسبّب في تقييد حركة التمويل والاستثمار، وأعاق دخول السلع والمعدات الحيوية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة المعيشية والإنسانية.
نهاية الأسد… وبداية مشهد سياسي جديد
بعد 14 عامًا من الحرب الأهلية، تمكنت قوات أحمد الشرع في ديسمبر 2024 من السيطرة على دمشق، منهية بذلك حكم عائلة الأسد الذي بدأ بانقلاب حافظ الأسد في عام 1970.
وقد فرّ بشار الأسد وعائلته إلى موسكو بعد انهيار العاصمة، في مشهد وضع حدًا لنظام طالما واجه اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، واستخدام السلاح الكيميائي، وتعذيب المعارضين في السجون.
ويقول مراقبون إن الإدارة الأميركية اختارت في هذه المرحلة تبني نهج براغماتي من خلال التعامل مع الأمر الواقع الجديد في سوريا، خصوصًا في ظل ما يُوصف بجهود الحكومة المؤقتة لضبط الفصائل المسلحة والعمل على توحيد الصف الداخلي.
تحولات إقليمية واهتمام إسرائيلي
من الجانب الأميركي، قال وزير الخارجية ماركو روبيو خلال جلسة استماع في الكونغرس الشهر الماضي إن بلاده “ستبدأ بمنح إعفاءات مؤقتة لبعض الأنشطة التجارية والاستثمارية”، لكنه شدد على أن هذا لا يعني رفعًا شاملًا وفوريًا لكل العقوبات، إذ لا تزال هناك “مخاوف من قدرات الحكومة المؤقتة على فرض السيطرة الكاملة على الوضع الأمني”.
وبالنسبة لواشنطن، فإن ضمان أمن إسرائيل يبقى أولوية في الملف السوري. وقد أشار روبيو إلى أن المسؤولين الأميركيين أجروا محادثات مع الجانب الإسرائيلي بشأن ما وصفه بـ”فرصة لإسرائيل إذا تحققت الاستقرار في سوريا”، في إشارة إلى التفاهمات الأمنية المحتملة مع الحكومة الجديدة في دمشق.
وتاريخيًا، تُعد سوريا أحد أبرز جيران إسرائيل من حيث التهديد الأمني، خصوصًا بعد احتلال تل أبيب لمرتفعات الجولان عام 1967. وقد اعترف ترامب في ولايته الأولى بسيادة إسرائيل على الجولان، في خطوة أدانتها الأمم المتحدة واعتبرتها خرقًا للقانون الدولي.
ومع سقوط نظام الأسد، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قواته بالتحرك في المنطقة العازلة بالجولان “لمنع تموضع قوى معادية”، كما شنّت إسرائيل غارات جوية استهدفت مستودعات أسلحة يُعتقد أنها تابعة لحزب الله.
مخاوف دولية وتفاؤل حذر
ورغم الترحيب الرسمي في دمشق والرياض، فإن القرار الأميركي لم يسلم من الانتقادات، خاصة من بعض أعضاء الكونغرس الذين يعتبرون أن تخفيف الضغط على سوريا قد يفتح الباب أمام فوضى جديدة ما لم يتم ضبط الوضع الأمني وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بشكل حقيقي.
وفي المقابل، يرى آخرون أن نهاية النظام السابق تفتح نافذة نادرة لإعادة إدماج سوريا في النظام الدولي، شريطة أن تلتزم الحكومة الجديدة بالمعايير الحقوقية، وتمنع ظهور جماعات متطرفة، وتفتح الباب أمام انتخابات حرة.
في هذا السياق، وصف مراقبون رفع العقوبات بأنه “مجازفة محسوبة” قد تعيد رسم المشهد الإقليمي في حال تكللت جهود إعادة الإعمار بالنجاح، وتم التوصل إلى تسويات داخلية تحظى بدعم المجتمع الدولي.















