التايم: محمد بن سلمان رابح بلا معركة في حرب إسرائيل وإيران

اعتبرت مجلة التايم الأمريكية أنه وسط الدخان المتصاعد من حرب الأيام الـ12 بين إسرائيل وإيران وحلفائها، خرجت السعودية وولي عهدها محمد بن سلمان كأكبر الرابحين من دون أن يطلق رصاصة أو يتكبد خسارة مباشرة.
وبحسب المجلة فإنه بينما خاضت تل أبيب وطهران وواشنطن رهانات كبرى على الأرض وفي السياسة الدولية، اكتفى بن سلمان بلعبة توازن دقيقة حافظت على مصالحه وجعلته يظهر كطرف حصيف، يربح من دون خوض معارك.
ورأت المجلة هذه الحرب، التي هزت المنطقة مؤخرًا، أظهرت بوضوح أن السعودية لم تعد لاعبًا هامشيًا يراقب من بعيد، لكنها أيضًا ليست في موقع من يريد المخاطرة بكل شيء.
بعكس إسرائيل التي خاطر قادتها بوجود دولتهم أمام هجمات غير مسبوقة، أو إيران التي راهنت بسمعتها وبرنامجها النووي وبعلاقتها مع حلفائها، أو الولايات المتحدة التي اختبرت مصداقيتها العالمية مجددًا في صراع شرق أوسطي معقد، فضّل محمد بن سلمان أن يكون في وضع المراقب الاستراتيجي.
الربح بلا مغامرة
اختار ولي العهد السعودي أن يندد إعلاميًا بالعدوان الإسرائيلي، متمسكًا بخطاب داعم للقضية الفلسطينية، بينما كان في الكواليس يمارس ضغطًا خفيًا على الرئيس الأميركي دونالد ترامب كي لا يجر الولايات المتحدة إلى حرب واسعة في المنطقة. تلك السياسة المزدوجة سمحت له بالبقاء على مسافة محسوبة من أطراف النزاع كافة، متجنبًا أي تصعيد قد يهدد استقرار المملكة أو يعطل مشروعه الاقتصادي الطموح.
قد يختلف المراقبون في تقييم موقف السعودية من الصراع الإسرائيلي-الإيراني، لكن الثابت أن بن سلمان ربح كثيرًا من دون تكلفة مباشرة.
وقد خرجت بلاده سالمة، وحافظ على استقرار أسواق النفط، وظل قادرا على الإمساك بخيوط العلاقة مع واشنطن، حتى مع إدراكه العميق بأن طموحات إيران النووية والإقليمية تشكل تهديدًا طويل المدى لمصالح المملكة.
زعيم من خلف الستار
رغم أنه بدا رابحًا في هذه الأزمة، إلا أن الطريق أمام ولي العهد نحو لعب دور الزعامة الإقليمية ما زال طويلاً ومعقدًا. فهو حتى اليوم يفضّل العمل خلف الستار على الظهور العلني كلاعب إقليمي.
الرجل الذي يسيطر بشكل شبه مطلق على الداخل السعودي، يواجه تحديًا أكبر في الساحة الدولية، حيث القوى متشابكة والمصالح متناقضة.
فمنذ توليه السلطة فعليًا، قاد محمد بن سلمان تغييرات اجتماعية وسياسية عميقة. أطاح بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت تتحكم بالحياة الاجتماعية في المملكة، وفتح الأبواب أمام النساء للعمل والسفر والحضور في الفضاء العام.
لكنه في الوقت نفسه لم يتردد في إقصاء خصومه من أمراء ورجال أعمال، بل وعزل ابن عمه من ولاية العهد ليحل محله.
لكن إدارة الداخل شيء، وإدارة الملفات الإقليمية والدولية شيء آخر. في الخارج، لا توجد سيطرة مطلقة، ولا يملك حتى أكثر الزعماء ثقلًا أن يملي إرادته على الأطراف كافة. وهنا يظهر التحدي الحقيقي لمحمد بن سلمان: كيف يثبت نفسه كلاعب إقليمي قادر على صياغة المعادلات بدلاً من مجرد تجنب الخسائر؟
رهانات اقتصادية ضخمة
أكبر رهانات محمد بن سلمان ليست سياسية أو عسكرية، بل اقتصادية.
فهو يدرك تمامًا أن استقرار بلاده وأمن استثماراته الضخمة في مشروعات مثل «نيوم» و«ذا لاين» مرهون بوجود شرق أوسط مستقر. رؤيته 2030 تهدف إلى تقليل اعتماد السعودية على النفط وتحويلها إلى مركز استثماري وسياحي وتكنولوجي عالمي، لكن هذه الطموحات تصطدم بواقع إقليمي مضطرب.
فعلى سبيل المثال، مشروع «ذا لاين» الذي كان يُفترض أن يمتد لمسافة 100 ميل في شمال غرب المملكة تقلص طموحه إلى 1.5 ميل فقط بحلول عام 2030، بسبب تعقيدات مالية وهندسية. الاضطرابات الإقليمية تعيق جذب المستثمرين الأجانب والخبرات الدولية، وتزرع الشكوك حول قدرة المملكة على الوفاء بوعودها.
التطبيع… بوابة الاستثمار
ثمة قناعة متزايدة لدى ولي العهد بأن استقطاب الاستثمارات الغربية والتكنولوجيا المتقدمة لا يمكن فصله عن تهدئة التوترات مع إسرائيل.
فتل أبيب، رغم كل تعقيداتها السياسية، تظل واحدة من أكثر دول المنطقة تقدمًا في التكنولوجيا والأمن السيبراني، والربط الاقتصادي معها قد يفتح للسعودية أبوابًا جديدة للنمو، فضلًا عن ممر بري استراتيجي بين آسيا وأوروبا.
لكن خطوة التطبيع ليست بلا ثمن. فالغضب الشعبي العربي من حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، يجعلان أي خطوة سعودية علنية نحو تل أبيب محفوفة بالمخاطر السياسية والاجتماعية. ولهذا كان التطبيع قاب قوسين أو أدنى قبل حرب غزة في أكتوبر 2023، لكنه توقف فجأة مع اندلاع الصراع.
استثمارات دون الطموح
حتى الآن، لم تتحقق طفرة الاستثمار الأجنبي التي يحلم بها ولي العهد. ففي عام 2024، بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 20.7 مليار دولار، أقل بكثير من الهدف المعلن وهو 29 مليارًا، وأبعد كثيرًا عن الهدف النهائي البالغ 100 مليار دولار سنويًا بحلول 2030.
حتى عمالقة التكنولوجيا مثل أمازون وأوراكل ومايكروسوفت لم تستثمر سوى 9 مليارات دولار مجتمعين في السعودية في قطاع الحوسبة السحابية، وهو مبلغ متواضع مقارنة بطموحات الرياض.
وخلصت المجلة إلى أن محمد بن سلمان أثبت مهارة كبيرة في تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية، ليخرج حتى الآن كأحد أكبر الرابحين من حرب إسرائيل وإيران.
لكن الربح دون معركة لا يكفي لتأمين مستقبل السعودية ولا لتحقيق رؤيتها الكبرى. والتحدي القادم أمامه هو إثبات قدرته على التحول من لاعب دفاعي إلى زعيم إقليمي صانع للأحداث، وقادر على خلق بيئة مستقرة تجتذب العالم إلى الاستثمار في حلمه الكبير.















