واشنطن بوست: السعودية والإمارات ليستا مناسبتين لبناء بنية الذكاء الاصطناعي العالمية

اعتبرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ليستا المكان المناسب لبناء بنية الذكاء الاصطناعي العالمية، محذرة من أن الطائرات المسيّرة والمخاطر الجيوسياسية تقوّض أمن مراكز البيانات الخليجية.
وأشارت الصحيفة إلى منح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مايو الماضي الضوء الأخضر لمشروع بالغ الأهمية: إنشاء مراكز بيانات ضخمة للذكاء الاصطناعي في كل من الإمارات والسعودية، بتمويل من صناديق الثروة السيادية الخليجية، وباستخدام تقنيات أميركية متطورة.
وذكرت الصحيفة أن هذه المراكز، التي يُتوقع أن تستضيف بعضًا من أكبر البنى التحتية الحاسوبية في العالم، تمثل ركيزة أساسية لمستقبل الذكاء الاصطناعي العالمي.
غير أن هذا المشروع، الذي تم الترويج له على أنه اختراق في العلاقات التجارية والتكنولوجية بين الخليج وواشنطن، يخبئ في طياته مخاطر أمنية واستراتيجية هائلة.
فبحسب تحليل نشرته واشنطن بوست فإن السعودية والإمارات لا تمثلان بيئة آمنة أو مستقرة بما يكفي لاحتضان هذا المستوى من البنية التحتية الرقمية الحيوية.
تهديد الطائرات المسيّرة… ليس مجرد احتمال
أحد أبرز المخاوف التي تسلط واشنطن بوست الضوء عليها يتعلق بخطر الهجمات بالطائرات المسيّرة، خاصة تلك التي تستخدمها جهات غير حكومية مدعومة من دول معادية للنفوذ الأميركي في المنطقة.
وتذكّر الصحيفة بالهجوم الذي نفذته إيران عام 2019 على منشأتي بقيق وخريص النفطيتين في السعودية، والذي تسبّب في شل نصف إنتاج المملكة من النفط خلال ساعات فقط. الهجوم تم بواسطة طائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة، وقد بيّن بشكل صارخ هشاشة الدفاعات في الخليج أمام هذه الأسلحة.
اليوم، بعد مرور ست سنوات، أصبح هذا التهديد أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل الاستخدام الواسع للطائرات المسيّرة في النزاعات الحديثة، كما في أوكرانيا. فقد أثبتت هذه الطائرات قدرتها على ضرب أهداف حساسة وعميقة بتكلفة منخفضة، حتى ضد قوى تملك أنظمة دفاع جوي متطورة.
وبحسب التقرير، فإن مراكز البيانات المزمع بناؤها في الإمارات ستغطي مساحة تقارب 10 أميال مربعة، ما يجعلها أهدافًا مرئية وسهلة للهجوم.
والأخطر من ذلك أن أجزاءها الأكثر حساسية، مثل أنظمة التبريد الخاصة بالخوادم عالية الأداء، لا يمكن تحصينها دون التأثير على فعاليتها.
وبالتالي، فإن طائرة مسيّرة واحدة محمّلة بشحنة حارقة أو موجهة بدقة قد تكفي لتعطيل مركز بيانات بالكامل وتدمير عمليات تدريب تستغرق أشهرًا وتكلف ملايين الدولارات.
الدفاعات غير كافية… والمخاطر لا تحتمل
حتى مع تعزيز الدفاعات الجوية، تبقى مراكز البيانات عرضة للهجمات، خصوصًا في ظل ظهور “أسراب المسيّرات الرخيصة” التي يصعب على الأنظمة التقليدية التعامل معها جميعًا في آن واحد.
وكما يذكر التحليل، فإن القبة الحديدية الإسرائيلية نفسها، رغم كونها من بين أكثر الأنظمة تطورًا، فشلت في اعتراض كامل الصواريخ خلال جولات التصعيد الأخيرة.
بناءً على ذلك، فإن تأمين منشآت الذكاء الاصطناعي في الخليج سيستلزم دفاعات ميدانية متعددة الطبقات تشمل: مناطق أمنية محصنة، قدرات تشويش على الاتصالات اللاسلكية، نقاط إطلاق نار، شبكات خاصة غير متصلة بالإنترنت، ومراقبة دائمة بالطائرات والأنظمة الحرارية.
وهذا النوع من الحماية ليس فقط مكلفًا للغاية، بل يثير تساؤلات عن الجهة التي ستتحمل كلفته. فهل ستدفعه الشركات الأميركية؟ أم ستتحمّله حكومات الخليج؟ وهل ستصبح الولايات المتحدة، من دون قصد، ضامنة لأمن منشآت في دول ذات ارتباطات أمنية واقتصادية متزايدة بالصين؟
الخطر الاستراتيجي: التورط الأميركي في منطقة نزاع
لا تتوقف المخاطر عند الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى البعد الجيوسياسي. فخطة ترامب، كما تحذر واشنطن بوست، قد تدفع واشنطن إلى التورط بشكل غير مبرر في التزامات أمنية جديدة في الخليج، في وقت تسعى فيه الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى تقليص حضورها العسكري والسياسي في الشرق الأوسط.
وتعتبر الصحيفة أن من بين دوافع قادة الخليج للدفع بهذه المشاريع هو ربط الولايات المتحدة أكثر أمنياً بالمنطقة عبر استثمارات تكنولوجية غير قابلة للفك بسهولة. وهي مقاربة تهدف إلى تكريس الوجود الأميركي بدافع الحاجة إلى حماية المصالح التكنولوجية الجديدة.
لكن مصالح الرياض وأبوظبي ليست بالضرورة مصالح واشنطن. فبينما تسعى الولايات المتحدة لتقليل اعتمادها على مناطق النزاع، تختار إدارة ترامب، وفق الصحيفة، أن تبني مستقبل الذكاء الاصطناعي الأميركي في قلب منطقة متقلبة، مشيرة إلى أن هذا القرار يتناقض مع جهود واشنطن المكثفة لإعادة توطين صناعة أشباه الموصلات خارج تايوان.
غياب النقاش العام… وخطر الحسابات الضيقة
التحليل ينتقد بشدة أن مسألة الأمن المادي لم تأخذ حقها من النقاش، مقارنة بالاهتمام بالأمن السيبراني.
فبينما يدرك المستثمرون والمطورون التكنولوجيون مخاطر القرصنة والهجمات السيبرانية، فإنهم يغفلون عن هشاشة البنى التحتية أمام هجوم مادي مباشر، وهو ما يجعل مراكز البيانات غير مؤهلة للعمل في بيئات النزاع المفتوحة.
بل إن المفارقة الكبرى التي يسلط التقرير الضوء عليها هي أن مراكز الذكاء الاصطناعي هذه، التي يُفترض أن تُستخدم لتطوير أنظمة دفاعية ذكية، قد تصبح هي نفسها ضحية لتقنيات أرخص وأكثر انتشارًا مثل الطائرات المسيّرة، بعضها مدعوم بالذكاء الاصطناعي ذاته.
وتختم واشنطن بوست تحليلها بالتحذير من التسرع في بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي الأميركي في منطقة غير مستقرة، وتدعو إلى إعادة تقييم موقع هذه المنشآت الحساسة، بعيدًا عن خطوط التماس الجيوسياسية، وقريبًا من بيئات مستقرة تكنولوجيًا وعسكريًا.















