الطاقة الشمسية تزيح النفط من الداخل: السعودية تعيد رسم ملامح سوق الطاقة

تشهد أسواق النفط العالمية تحولاً غير متوقع تقوده السعودية نفسها، أكبر مصدر للخام في العالم. فبينما اعتاد المراقبون على أن تأتي التهديدات للطلب على النفط من الخارج، عبر انتشار السيارات الكهربائية في الصين وأوروبا وأميركا، يتضح اليوم أن التحدي الأكبر ينبع من الداخل السعودي، حيث تمضي المملكة بخطى متسارعة نحو استبدال النفط في توليد الكهرباء بالطاقة المتجددة.
وعلى مدار العقدين الماضيين، ارتفع استهلاك السعودية المحلي من النفط ليبلغ 2.3 مليون برميل يومياً، وهو ما جعلها من أسرع الدول نمواً في الطلب الداخلي بعد الصين والهند. ويذهب ربع إلى ثلث هذا الاستهلاك لتشغيل محطات كهرباء تعمل بالنفط الخام وزيت الوقود خلال أشهر الصيف الحارة.
اليوم، تسعى الحكومة إلى قلب هذه المعادلة جذرياً عبر برنامج طموح يستهدف توليد 130 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، أي ما يعادل تقريباً إجمالي الطاقة الشمسية في الهند. وإذا تحقق هذا الهدف، فإن ذلك قد يمثل وفق وكالة الطاقة الدولية أكبر تراجع منفرد في الطلب على النفط عالمياً خلال السنوات الخمس المقبلة.
بين الشكوك والجدية
منذ إطلاق رؤية 2030، أعلنت المملكة مراراً نيتها تنويع مصادر الطاقة والحد من الاعتماد على النفط، لكن تلك الطموحات واجهت دائماً موجة شك واسعة. يعود ذلك إلى سجل المملكة في المشاريع الضخمة التي لم تكتمل، مثل برج الكيلومتر في جدة أو مدينة “ذا لاين” المستقبلية.
ومع ذلك، يختلف الأمر حين يتعلق ببنية تحتية تقليدية مثل محطات الكهرباء. فالسعودية تملك خبرة واسعة في تنفيذ مشاريع صناعية عملاقة، ومع وفرة التمويل والدعم الحكومي، بدأت تلك الوعود تتحول إلى واقع ملموس.
صعود سريع لمشاريع الطاقة الشمسية
حتى وقت قريب، لم يكن على الشبكة السعودية سوى محطة شمسية صغيرة بقدرة 0.3 غيغاواط. لكن منذ مطلع 2024، أطلقت شركة “أكوا باور” أربع محطات شمسية بقدرة إجمالية بلغت 4.9 غيغاواط، وتستعد لإضافة قدر مماثل بنهاية 2025. كما وقعت الشركة اتفاقيات لبناء 15 غيغاواط إضافية لتسليمها بحلول 2028.
تخطط “أكوا باور” للوصول إلى 78 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول 2030، وهو ما يكفي لتغطية كامل الكهرباء التي ولّدتها السعودية من النفط العام الماضي. وبذلك، لن تعود محطات الكهرباء بحاجة إلى الخام، ما يعزز صادراته دون الحاجة إلى حفر آبار جديدة.
اقتصاديات متغيرة
أحد العوامل التي تجعل التحول أكثر واقعية هو الكلفة. فالكهرباء المنتَجة من الشمس في السعودية باتت أرخص من نصف تكلفة الكهرباء الحالية المعتمدة على النفط. ومع بساطة التكنولوجيا مقارنة بعمليات استخراج النفط ونقله وتكريره، يبدو المسار الجديد أكثر جاذبية وأسرع في التنفيذ.
إضافة إلى ذلك، فإن إزالة النفط من شبكة الكهرباء تمثل رافعة استراتيجية لصادرات المملكة. فقد أشار رئيس “أرامكو” أمين ناصر إلى أن وقف استخدام النفط محلياً يحقق للمملكة الفوائد ذاتها التي يحققها التوسع في الإنتاج، بل وبتكلفة أقل.
آثار على سوق النفط العالمي
إذا مضت السعودية في خطتها، فإن سوق النفط العالمي قد يشهد فائضاً إضافياً. فشبكة الكهرباء السعودية وحدها تستهلك حالياً نفطاً أكثر مما تستهلكه جميع السيارات والدراجات النارية في الهند. ومع اختفاء هذا المستهلك العملاق بنهاية العقد، سيجد المنتجون الآخرون أنفسهم أمام معروض عالمي أكبر من الطلب، ما قد يضغط على الأسعار ويعيد تشكيل موازين القوى داخل “أوبك” وخارجها.
هذا التحول يعكس تناقضاً لافتاً: فالمملكة التي قامت ثروتها على النفط، تسعى الآن لتقليص اعتماده محلياً لحماية موقعها كمصدّر عالمي. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مستقبل “شغف النفط” لدى السعودية، التي تبدو وكأنها بدأت تفقد شهيتها لمواردها الأحفورية من أجل مصلحة اقتصادية أوسع.
تحديات التنفيذ
رغم الاندفاعة الحالية، لا تزال هناك عقبات. فبحسب تقديرات شركة “كبلر” لتحليل البيانات، لن يتجاوز ما يتم إنجازه بحلول 2030 سوى 11.6 غيغاواط من أصل 130 غيغاواط مستهدفة. هذا العجز قد يبقي النفط جزءاً من مزيج الطاقة لفترة أطول مما هو معلن.
كما أن وتيرة الإنجاز ستعتمد على استمرار الاستثمارات الضخمة، وحسن إدارة المشاريع، وتجنب مصير بعض المشروعات الضخمة السابقة التي واجهت عراقيل. لكن المؤشرات الأخيرة تظهر أن السعودية باتت أكثر واقعية حين يتعلق الأمر بالطاقة المتجددة، وأنها تتعامل مع الملف باعتباره أولوية اقتصادية واستراتيجية وليست مجرد دعاية سياسية.















