فايننشال تايمز: كيف حاصر ترامب نتنياهو ليوافق على خطة السلام؟

كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية في تقرير موسّع، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تلقّى صدمة سياسية عندما قدّم له الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مسودة خطة سلام تتضمّن مسارًا نحو إقامة دولة فلسطينية، رغم تعهده الصريح قبل أسبوعين فقط بعدم السماح بقيامها.

وأوضحت الصحيفة أن الخطة التي صاغها فريق ترامب جاءت نتيجة ضغوط عربية وإسلامية مكثفة، وتحوّلت إلى أداة ضغط مباشرة على نتنياهو لإجباره على وقف الحرب في غزة، والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حركة حماس.

قبل أسبوعين من سفره إلى الولايات المتحدة للتفاوض على خطة لإنهاء الحرب في غزة، وقف نتنياهو أمام أنصاره اليمينيين المتطرفين في مستوطنة بالضفة الغربية المحتلة وأقسم قائلاً: “لن تكون هناك دولة فلسطينية. هذا المكان لنا”.

لكن بعد أيام، وجد نفسه في غرفة فندق بنيويورك، محاطًا بمستشاريه المقربين والوسطاء الأمريكيين، ينظر إلى مسودة وثيقة لخطة سلام مدعومة من ترامب تتحدث عن «مسار موثوق»، وإن كان غامضًا، نحو دولة فلسطينية مستقبلية.

ونقلت الصحيفة عن شخص حضر الاجتماع قوله: “الصدمة كانت في الخاتمة، شعرت وكأنها الخيانة الأخيرة”، في إشارة إلى انقلاب الموقف الأمريكي بشكل مفاجئ على موقف نتنياهو المتشدد.

ضغوط عربية ودور قطري بارز

وذكرت فايننشال تايمز أن المسودة كانت ثمرة جولة دبلوماسية محمومة قادتها قطر والسعودية ودول عربية وإسلامية مؤثرة، استغلت خلالها حالة الغضب التي اجتاحت ترامب بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت وفد حركة حماس السياسي في الدوحة في التاسع من سبتمبر.

وأضاف التقرير أن هذا التحرك العربي أسهم في عودة نفوذ جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره السابق لشؤون الشرق الأوسط، الذي لعب دورًا في التنسيق بين واشنطن والعواصم الخليجية.

وأوضح المشاركون في العملية أن هدفهم كان تحقيق طموحين متوازيين للرئيس الأمريكي السابق: سياسيًا، بإنهاء الحرب في غزة وضمان إطلاق سراح 48 رهينة إسرائيلية تحتجزهم حماس؛ وشخصيًا، عبر إنعاش حلمه القديم بإطلاق عملية تطبيع كبرى بين إسرائيل والسعودية.

جائزة نوبل والسلام قبل ذكرى أكتوبر

وبحسب الصحيفة، لم يكن التوقيت صدفة؛ فقد أراد ترامب أن تنتهي الحرب قبل الذكرى الثانية لهجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، الذي أشعل الصراع، كما تزامن ذلك مع اقتراب موعد إعلان جائزة نوبل للسلام التي كان ترامب يطمح إلى نيلها.

ونقلت فايننشال تايمز عن دبلوماسي إسرائيلي سابق قوله إن ترامب أدرك مبكرًا أن قضية الرهائن هي المفتاح الذي يفتح كل الأبواب في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن الرئيس الأمريكي السابق طوّر علاقة شخصية مع بعض الرهائن وعائلاتهم، أكثر قربًا من علاقة نتنياهو بهم.

وأوضحت أن مبعوث ترامب، رجل الأعمال الأمريكي ستيف ويتكوف، حافظ على تواصل مباشر ومنتظم مع عائلات الرهائن عبر الرسائل النصية، في إشارة إلى الاهتمام الشخصي للرئيس بالقضية.

الدوحة في مركز المشهد

احتاج ترامب، وفق الصحيفة، إلى تنازلات واضحة من نتنياهو لتأمين اتفاق شامل يضمن الإفراج عن الرهائن ووقف الحرب وإطلاق خطته للشرق الأوسط.

وكانت قطر، التي تستضيف المكتب السياسي لحماس، الطرف الأكثر تأثيرًا في المفاوضات، خصوصًا بعد أن أثار الهجوم الإسرائيلي على أراضيها غضب ترامب، لأنه وقع بينما كانت حماس تدرس اقتراح تهدئة أرسله مبعوثه ويتكوف.

وفي 29 سبتمبر، عندما وصل نتنياهو إلى البيت الأبيض بعد أيام من طرح الخطة أمام القادة العرب، سلّمه ترامب سماعة هاتف ليتحدث مباشرة مع رئيس وزراء قطر ويعتذر له عن الهجوم الإسرائيلي على الدوحة.

ونقلت فايننشال تايمز عن مسؤول أمريكي سابق قوله إن الضربة الإسرائيلية على قطر كانت مهينة لترامب لكنها فتحت الباب أمام هذه العملية السياسية، مضيفًا أن الرئيس الأمريكي استغل الموقف ليظهر بمظهر المنقذ. وأضاف ساخرًا أن اعتذار نتنياهو بدا وكأنه “فيديو رهائن”.

فريق قطري في البيت الأبيض

وبينما حاول نتنياهو وفريقه تعديل بعض بنود الخطة، لا سيما تلك التي تشير إلى دولة فلسطينية، كان فريق فني قطري يجلس في البيت الأبيض غير بعيد عن الرئيس ونتنياهو، حسبما ذكرت الصحيفة.

وقال مصدر قرأ المسودة: “كان من المستحيل تغيير أكثر من بضع كلمات هنا وهناك”.

وعندما حاول الإسرائيليون الحصول على بند يمنحهم الحق في استئناف القتال إذا خرقت حماس الاتفاق، قيل لهم بوضوح: “توقفوا عن البحث عن الثغرات”. وأكد ترامب شخصيًا للعرب أن إسرائيل لن تعود للحرب بعد التوقيع.

تقول فايننشال تايمز إن الخطة تضمنت بنودًا تُغضب اليمين الإسرائيلي والمسيحيين التبشيريين الداعمين لنتنياهو؛ فقد نصت على منع التهجير القسري لسكان غزة، وسمحت لهم بالمغادرة أو العودة متى شاؤوا، كما فتحت الباب أمام العفو عن مقاتلي حماس الذين يتخلون عن السلاح ويوافقون على “التعايش السلمي”.

وحظرت الخطة على إسرائيل احتلال غزة أو ضمّها أو بناء مستوطنات فيها، وسمحت بعودة الأمم المتحدة للإشراف على المساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

في المقابل، ضمنت بنودًا تحفظ ماء وجه نتنياهو، منها حظر مشاركة حماس في أي شكل من أشكال الحكم الفلسطيني، ونزع سلاحها بالكامل، وتشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية تدير القطاع مؤقتًا بإشراف هيئة دولية يرأسها ترامب شخصيًا، بينما تتولى قوة دولية الأمن الميداني.

ضغط علني وتوبيخ مباشر

أوضحت الصحيفة أن ترامب استخدم لغة صارمة في الإعلان عن الخطة، مؤكدًا أن إسرائيل ستحظى بدعمه الكامل في حال رفضت حماس الاتفاق. ومع ذلك، بدا نتنياهو، الواقف بجانبه، باهتًا ومتوترًا، بعدما فقد زمام المبادرة أمام حليفه الأقوى.

ونقلت فايننشال تايمز عن السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن مايكل أورين قوله: “القاعدة الذهبية هي أن مصالح ترامب تأتي أولًا… في السابق، كان نتنياهو يتحدى الرؤساء الأمريكيين، لكن مع ترامب، حين يقول لا، فحينها لا تفعل”.

وأشار أورين إلى أن ترامب سبق أن وبّخ إسرائيل علنًا عندما قصفت شرق إيران بعد إعلان وقف إطلاق النار الذي رعاه بنفسه بين تل أبيب وطهران في يونيو الماضي.

وبعد الزيارة، روّج نتنياهو للخطة في الداخل الإسرائيلي باعتبارها انتصارًا سياسيًا و”عرضًا خذه أو اتركه” بالنسبة لحماس، مؤكداً أن بلاده حصلت على ضوء أخضر أمريكي لاستئناف الحرب إذا رفضت الحركة الاتفاق.

لكن بعد أيام، فاجأت حماس الجميع ببيان أعلنت فيه الموافقة على بند الإفراج عن الأسرى خلال 72 ساعة، متجاهلة البنود الخلافية الأخرى، وهو ما وضع نتنياهو في مأزق.

وقال أورين: “فجأة تغيّر المشهد. كانت حماس أمام ثلاثة خيارات: الاستسلام أو نبذ الإرهاب أو الموت. الآن لديها خيار رابع — التفاوض. وطالما تتفاوض، فإسرائيل أمام إشارة حمراء”.

ترامب يأمر بوقف النار فورًا

تقول فايننشال تايمز إن ترامب أصدر بعد بيان حماس أمرًا مباشرًا لإسرائيل بوقف العمليات العسكرية في غزة فورًا إلى حين استمرار المحادثات.

وفي مكالمة هاتفية، أوردها موقع أكسيوس وأكدها مسؤول إسرائيلي، حاول نتنياهو إقناع ترامب بأن قبول حماس “مجرد مناورة لكسب الوقت”، لكن ترامب ردّ بغضب قائلاً: “لماذا أنت سلبي إلى هذا الحد اللعين؟”.

وبعد أيام، أكد ترامب في مقابلة مع القناة الإسرائيلية 12 أنه أجبر نتنياهو على القبول بالواقع، قائلاً: “لقد كان موافقًا. عليه أن يكون موافقًا. ليس أمامه خيار. ومعي، عليك أن تكون موافقًا” — في إشارة واضحة إلى أن القرار لم يعد بيد نتنياهو، بل بيد الرئيس الأمريكي الذي وصف نفسه بأنه “أعظم صديق لإسرائيل في البيت الأبيض”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى