تحقيق : كيف تمول الإمارات قوات الدعم السريع السودانية عبر “منطقة رمادية” للعمليات الأمريكية في الصومال؟

كشف تحقيق مُعمّق لموقع “ميدل إيست آي” البريطاني عن تضارب لافت ومُعقّد في السياسة الأمريكية في القرن الأفريقي، حيث تسعى الولايات المتحدة لكبح جماح الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع (RSF) المُتهمة بارتكاب فظائع في دارفور، بينما تعتمد القوات الأمريكية بشكل تكتيكي على ذات القواعد التي تُستخدم لإمداد هذه الجماعة شبه العسكرية.

تُشير الأدلة إلى أن هذا الوضع المُتناقض يُنشئ “منطقة رمادية” عملياتية تُوفّر غطاءً مثالياً لاستمرار تدفق الإمدادات إلى قوات الدعم السريع، رغم الضغوط الدولية.

الضغط الأمريكي يتصاعد ضد أبوظبي

على أعلى المستويات، تُناقش واشنطن مسألة دعم الإمارات لقوات الدعم السريع. وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أشار إلى معرفة الحكومة الأمريكية بـ “الأطراف المتورطة” في تزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة، بما في ذلك طائرات مُسيّرة صينية الصنع، مُشدداً على أن هذا الدعم “يجب أن يتوقف”.

ويأتي هذا التصعيد في أعقاب موجة من الفظائع في الفاشر، عاصمة شمال دارفور، شملت الاغتصاب الجماعي والقتل ونهب ممتلكات المدنيين، مما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد ضغط من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى الإعلان عن “بدء العمل بشأن السودان”.

تدرس وزارة الخارجية حالياً فرض جولة جديدة من العقوبات تستهدف شخصيات محورية في العلاقة بين الإمارات، التي يُنظر إليها كـ “الراعي الرئيسي”، وقوات الدعم السريع.

بوساسو: محور التناقض العملياتي

تبرز مدينة بوساسو الساحلية في منطقة بونتلاند الصومالية، كنقطة محورية لهذا التناقض. فبينما طورت الإمارات قاعدتها الجوية وميناءها هناك على مدى السنوات الماضية، وأصبحت المنشأة نقطة انطلاق حيوية لإمداد قوات الدعم السريع، فإن الولايات المتحدة تستخدمها أيضاً لشن عملياتها ضد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الصومال.

  • العمليات الأمريكية: نفّذت القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) غارات جوية ضد تنظيم داعش في الصومال، بعضها انطلاقاً من بوساسو، بما في ذلك ضربة بالقرب من كهف جولجول في نوفمبر، قبل أيام فقط من إدانة روبيو لفظائع قوات الدعم السريع.

  • الروابط اللوجستية: تُظهر بيانات تتبع الرحلات الجوية تحليق طائرة نقل تابعة لمشاة البحرية الأمريكية من طراز KC-130J Hercules من معسكر ليمونيه في جيبوتي إلى بوساسو. وقد أكد مسؤولون أمريكيون سابقون أن الإمارات “عرضت استخدام بوساسو كنقطة انطلاق” للقوات الأمريكية، التي تستفيد منها في عمليات “استغلال المواقع الحساسة” لجمع المعلومات الاستخباراتية.

  • “الجسر الجوي” الإماراتي: في الوقت ذاته، أظهر تحليل “ميدل إيست آي” لبيانات تتبع الرحلات أن بوساسو جزء دائم من “الجسر الجوي” الإماراتي إلى السودان. هبطت 77 رحلة جوية لطائرات من طراز IL-76 تابعة لشركة طيران من قيرغيزستان في القاعدة بين مارس 2024 وأغسطس 2025، قادمة من رأس الخيمة أو الظفرة في الإمارات.

  • أسلوب التمويه: تم رصد طائرات الشحن وهي تخفي إشارتها أثناء الرحلة بين أبوظبي وبوساسو، مما يشير إلى أسلوب التمويه المُستخدم. ووصف قائد كبير في شرطة بونتلاند البحرية نقل “مواد لوجستية ثقيلة غير معلنة” من وإلى طائرات IL-76، مشيراً إلى أنها تُنقل “فورًا إلى طائرة أخرى جاهزة للاستخدام وموجهة إلى قوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان عبر الدول المجاورة”.

“عبقرية” العمليات الرمادية

لخّص كاميرون هدسون، المسؤول السابق في وزارة الخارجية ومحلل وكالة المخابرات المركزية، هذا الموقف بقوله: “إنها عبقرية من الإمارات العربية المتحدة، لأنها تُوفر غطاءً مثاليًا، إذ تمزج العمليات البيضاء [مكافحة الإرهاب] بالعمليات السوداء [إمداد قوات الدعم السريع]. يتحول الأمر إلى عمليات رمادية”.

يُشير هدسون إلى أن هذا الترتيب يُمثل “تحالفاً تكتيكياً وعملياتياً” بين الولايات المتحدة والإمارات، يقوم على أساس أيديولوجي مشترك لمكافحة الإسلام المتطرف في المنطقة، مما يزيد من تعقيد الموقف تجاه السودان.

يتجاوز الوجود الإماراتي بوساسو ليشكل “حلقة سيطرة” حول البحر الأحمر وخليج عدن، تهدف إلى تأمين طرق الشحن الحيوية.

  • قواعد متطورة: بنت الإمارات أو طوّرت سلسلة من القواعد على الأراضي التي يسيطر عليها حلفاؤها، بما في ذلك جزر عبد الكوري وسمحة (أرخبيل سقطرى)، ومدينة المخا، وميون في مضيق باب المندب باليمن.

  • التكامل اللوجستي والاستخباراتي: تُظهر صور الأقمار الصناعية أن هذه القواعد تشترك في هياكل تشغيلية متشابهة، وتُدار من غرفة عمليات إقليمية واحدة. وقد تم تزويد بوساسو برادار فرنسي الصنع من طراز GM-403 قادر على تتبع الأجسام الجوية لمسافة تزيد عن 400 كيلومتر.

  • بربرة كبديل أمريكي: تعمل الإمارات أيضاً في بربرة (أرض الصومال)، حيث تتسابق الولايات المتحدة على إنشاء قاعدة عسكرية بديلة لمعسكر ليمونيه في جيبوتي، لا سيما مع المخاوف من الوجود الصيني. وتمتلك بربرة مدرجاً بطول 4 كيلومترات قادراً على استقبال طائرات النقل الاستراتيجية والمقاتلة.

ويرى خبراء أن هذا المشروع الإقليمي يهدف إلى السيطرة على الموانئ البحرية، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع خطة المملكة العربية السعودية طويلة المدى لمرحلة ما بعد النفط.

مصالح الذهب والنفط

يُعزز الدافع الاقتصادي من دور الإمارات؛ ففي عام 2024، تدفقت 90% من صادرات الذهب الرسمية السودانية إلى الإمارات. بالإضافة إلى ذلك، فإن السودان يقع على الجانب الآخر من البحر الأحمر من السعودية ويمتلك ساحلاً طويلاً، مما يزيد من أهميته الجيوسياسية في صراع النفوذ الإقليمي.

يُشير المحللون إلى أن التوتر الحالي بين واشنطن وأبوظبي يعكس صراعاً أوسع بين الحليفين الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة، السعودية والإمارات، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية، بما في ذلك صفقات متعلقة بالذكاء الاصطناعي وإعادة إعمار غزة.

ومع إعلان ترامب عن نيته العمل على تحقيق الاستقرار في السودان بالتعاون مع السعودية والإمارات ومصر، يبقى السؤال المطروح في واشنطن هو: “كيف تصل إلى ترامب؟” في عالم تحكمه “صفقات النخبة” التكتيكية.

في الوقت الذي ظهرت فيه رسالة ترامب، كانت طائرة شحن أخرى من طراز IL-76 تهبط في مطار بوساسو، مع استمرار صدى محركاتها في جميع أنحاء المدينة، في إشارة واضحة لاستمرار تدفق الإمدادات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى