دويتشه فيله: صفقات الدفاع السعودية قد تعيد تشكيل المشهد الأمني في الشرق الأوسط

تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكًا سياسيًا وأمنيًا متسارعًا، في ظل اتجاه السعودية إلى توسيع شبكة اتفاقاتها الدفاعية الإقليمية، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تُحدث تحولات في موازين القوة، وإن كانت حدود تأثيرها لا تزال محل نقاش.
وبحسب دويتشه فيله، التقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، بنظيره المصري بدر عبد العاطي، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث ناقش الجانبان «قضايا ذات اهتمام مشترك»، وفق بيان لوزارة الخارجية السعودية.
ورجّحت مصادر أن اللقاء لم يقتصر على بحث مبادرة «مجلس السلام» التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل شمل أيضًا تفاصيل اتفاق دفاعي جديد بين الرياض والقاهرة.
وفي السياق ذاته، أشارت تقارير إلى أن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يستعد لزيارة السعودية خلال الأيام المقبلة لتوقيع اتفاق دفاعي مع الرياض.
ووفق تقديرات محللين، فإن إدراج الصومال في إطار تعاون دفاعي يضم السعودية ومصر من شأنه تعزيز نفوذ البلدين على الضفة الإفريقية لمضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا.
اهتمام تركي وتحذيرات من «ناتو إسلامي»
وأفادت وكالة بلومبرغ بأن تركيا أبدت اهتمامًا متزايدًا بالانضمام إلى اتفاق الدفاع الاستراتيجي القائم بين السعودية وباكستان منذ سبتمبر الماضي. ويرى بعض المراقبين أن توسيع هذا الاتفاق ليشمل تركيا قد يفضي إلى تكتل أمني يوصف إعلاميًا بـ«ناتو إسلامي»، نظرًا لما يجمعه من قدرات مالية سعودية، وقوة عسكرية تركية، وإمكانات نووية باكستانية.
وفي هذا السياق، كتب المستشار السياسي الإيطالي والخبير الجيوسياسي سيرجيو ريستيلي، في مقال رأي نشرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل، أن مثل هذا التكتل «لن يكون رمزيًا»، بل قد يشكل محورًا أمنيًا عابرًا للأقاليم يمتد من شرق المتوسط إلى المحيط الهندي، بما يحمله ذلك من تحدٍ للتوازنات التي ترعاها الولايات المتحدة والتحالفات الإقليمية القائمة.
تراجع الثقة بالمظلة الأميركية
غير أن سامي حمدي، المدير التنفيذي لشركة The International Interest المتخصصة في المخاطر والاستخبارات، يرى أن اندفاع السعودية نحو عقد اتفاقات دفاعية جديدة يرتبط أساسًا بتراجع الثقة في المظلة الأمنية الأميركية.
وقال حمدي في تصريحات لـدويتشه فيله إن هناك «تصورًا متناميًا في المنطقة بأن الولايات المتحدة لم تعد شريكًا يمكن الاعتماد عليه»، مستشهدًا بعدم الرد الأميركي على هجمات الحوثيين على منشآت نفطية سعودية عام 2019، وكذلك الهجوم الإسرائيلي على قيادة حماس في الدوحة عام 2025، رغم العلاقة الوثيقة بين واشنطن وتل أبيب.
وسلّط التقرير الضوء على تصاعد التوتر بين السعودية والإمارات، على خلفية دعمهما أطرافًا متعارضة في كل من اليمن والسودان. وأشارت دويتشه فيله إلى غارات جوية سعودية استهدفت في ديسمبر معسكرًا للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا في حضرموت، إضافة إلى تقارير عن عرض سعودي لتمويل صفقة أسلحة لصالح الجيش السوداني عبر باكستان، في مواجهة قوات الدعم السريع التي تُتهم أبوظبي بدعمها.
في المقابل، اتجهت الإمارات إلى تعزيز شراكاتها الدفاعية والاقتصادية مع الهند، الخصم التقليدي لباكستان، عبر اتفاق شامل جعل نيودلهي أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال الإماراتي، وشريكًا رئيسيًا في التعاون النووي.
ويرى سامي حمدي أن الاتفاق الإماراتي-الهندي يحمل «رسالة سياسية» في سياق التنافس الخليجي، مفادها أن أبوظبي، رغم صغر حجمها الجغرافي، لا تزال لاعبًا دوليًا مؤثرًا.
خلافات بلا قطيعة
من جهتها، اعتبرت سينزيا بيانكو، الباحثة في شؤون الخليج بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن هذه التوترات لا ترقى إلى قطيعة استراتيجية بين الرياض وأبوظبي. وأوضحت أن البلدين لا يزالان ضمن أطر مشتركة، من بينها «مجلس السلام» الذي ترعاه الولايات المتحدة، كما أن تركيا، الشريك الدفاعي المحتمل للسعودية، تحافظ بدورها على علاقات وثيقة مع الإمارات.
وأضافت بيانكو أن «سياسات التحالفات في المنطقة لا يمكن فصلها عمليًا عن الولايات المتحدة»، في ظل استمرار الوجود العسكري الأميركي وتعزيز الشراكات الأمنية مع كل من الرياض وأبوظبي.
وبالنظر إلى هذا المشهد المعقد، خلص تقرير دويتشه فيله إلى أن التأثير الفعلي للاتفاقات الدفاعية الجديدة قد يكون محدودًا نسبيًا.
وقال سامي حمدي إن الحديث عن «ناتو إسلامي» ينطوي على قدر من المبالغة، موضحًا أن الدول المعنية تختلف أيديولوجيًا ولديها مصالح متباينة، وأن هذه الصفقات تركز في جوهرها على نقل التكنولوجيا العسكرية وتعزيز قدر من الاستقلالية الاستراتيجية، أكثر من كونها تحالفًا عسكريًا متكاملًا.















