حملة في تركيا لإعادة دمج مقاتلي حزب العمال الكردستاني السابقين في المجتمع

كشف نواب أتراك، في تقرير برلماني عن توجه رسمي يهدف إلى السماح للأعضاء السابقين في حزب العمال الكردستاني الذين ألقوا السلاح بالاندماج مجددًا في المجتمع، في خطوة تُعد من أكثر المبادرات شمولًا منذ عقود لمعالجة أحد أطول النزاعات الداخلية في تركيا.
ويتضمن التقرير، المؤلف من 83 صفحة واطلعت عليه صحيفة ذا ناشيونال، مقترحات لإضفاء طابع رسمي على حل حزب العمال الكردستاني والتعامل القانوني والمؤسسي مع أعضائه السابقين.
ويأتي ذلك بعد أربعة عقود من الصراع المسلح بين الحزب والدولة التركية، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 40 ألف شخص، وامتد تأثيره إلى سوريا والعراق المجاورتين، مخلفًا آثارًا سياسية وأمنية واجتماعية عميقة.
وكان زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان قد دعا العام الماضي إلى حل الحزب ونزع سلاحه، في تطور غير مسبوق مهّد لإطلاق نقاش رسمي داخل مؤسسات الدولة حول مرحلة “ما بعد السلاح”.
وتُصنّف تركيا حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، كما يُدرج على لوائح الإرهاب في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وصوّتت لجنة برلمانية تضم 50 نائبًا من مختلف الأحزاب بأغلبية ساحقة لصالح التقرير. وشُكّلت اللجنة العام الماضي بهدف تقديم توصيات بشأن إطار قانوني لحل الحزب، في سياق مساعي الحكومة التركية لإنهاء النزاع المسلح، خصوصًا في المناطق الجنوبية الشرقية التي عانت طويلًا من عدم الاستقرار.
ويوصي التقرير بأن تُعيد التشريعات المستقبلية دمج الأفراد الذين يرفضون السلاح والعنف في المجتمع، من خلال إجراءات تحضيرية تساعدهم على التكيف مع النظام العام، والحفاظ على سبل عيش مستقرة، والاندماج الاجتماعي والاقتصادي.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه العملية لا تعني منح عفو شامل، مؤكدًا أن السلطات تحتفظ بحقها في مباشرة إجراءات قضائية بحق المقاتلين السابقين.
وجاء في التقرير أن “القوانين والأنظمة لا ينبغي أن تخلق شعورًا بالإفلات من العقاب أو العفو غير المشروط في المجتمع”.
كما دعا التقرير إلى مواصلة الاستثمار والتنمية في المناطق المتضررة من النزاع، ولا سيما في شرق تركيا، معتبرًا أن تحسين الفرص الاقتصادية والاجتماعية عنصر أساسي لتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التعافي، ومنع عودة العنف.
وقال دينيز كاراكولوكجو، مستشار السياسة الخارجية في البرلمان التركي، لصحيفة ذا ناشيونال، إن التقرير لا يُعد مشروع قانون نافذًا بحد ذاته، بل يمثل “خارطة طريق مفاهيمية” ستُبنى عليها تشريعات تنفيذية لاحقة.
وأوضح أن البرلمان سيبدأ لاحقًا بمناقشة أدوات قانونية محددة مستندة إلى توصيات التقرير، وليس الاكتفاء بالتصويت عليه.
وأفادت قناة هابرتورك التركية بأن الوثيقة تحتاج إلى موافقة الرئيس رجب طيب أردوغان، قبل أن تعود إلى البرلمان بكامل أعضائه لمزيد من النقاش.
وقال أردوغان، في تصريحات أدلى بها الأربعاء، إن تقرير اللجنة من شأنه “تسريع” عملية حل حزب العمال الكردستاني، مضيفًا: “لقد اتخذنا خطوة تاريخية”.
وأشار التقرير إلى أن “العتبة الأكثر أهمية” في هذه العملية هي تأكيد الدولة التركية أن الحزب قد حل نفسه بالكامل وألقى أسلحته.
وكان قادة بارزون في الحزب، المتمركزون في جبال قنديل بإقليم كردستان العراق، قد وافقوا العام الماضي على الحل ونزع السلاح، ونظموا مراسم رمزية لحرق الأسلحة.
إلا أن التقرير أقر بأن نزع سلاح جميع فروع الحزب المنتشرة في تركيا وسوريا والعراق وإيران يمثل تحديًا معقدًا.
وتضمن التقرير أيضًا توصيات لتعزيز المبادئ الديمقراطية، من بينها عدم تصنيف الأعمال غير العنيفة أو الأفعال التي تندرج ضمن حرية التعبير كجرائم إرهابية، إضافة إلى الدعوة لإنهاء سياسة تعيين أوصياء حكوميين بدل رؤساء البلديات المنتخبين، وهي مطالب لطالما تبناها حزب المساواة والديمقراطية للشعب الكردي (ديم)، الذي لعب دور الوسيط خلال هذه العملية.
ولم يرد في التقرير ذكر صريح لأوجلان، الذي يقضي حكمًا بالسجن المؤبد، كما لم يتطرق مباشرة إلى مطلب الإفراج عنه، وهو مطلب يثير جدلًا واسعًا داخل تركيا. لكنه أشار إلى ضرورة تحسين ظروف الاحتجاز والالتزام بأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في إشارة محتملة إلى قضايا معتقلين سياسيين بارزين.
ويُنظر إلى التقرير بوصفه محاولة رسمية لإدارة مرحلة انتقالية شائكة، توازن بين متطلبات الأمن، والعدالة، والمصالحة المجتمعية، في ملف ظل لعقود في صلب السياسة والأمن التركيين.















