تقرير: كيف تعيد السعودية رسم دورها في الشرق الأوسط؟

تكشف نقاشات سياسية وفكرية متصاعدة داخل المملكة العربية السعودية عن تحوّل ملحوظ في مقاربة الرياض لملفات المنطقة، خصوصًا في ما يتعلق بالحرب في غزة، والعلاقة مع إسرائيل، والتنافس مع شركاء إقليميين سابقين مثل الإمارات.

وبحسب طرح قدمه الأكاديمي السعودي أحمد التويجري، فإن موجة الغضب الشعبي في الشرق الأوسط تجاه الحرب على غزة أظهرت فجوة واسعة بين المزاج الإقليمي والمواقف الغربية الداعمة لإسرائيل، ما دفع دولًا محورية — وفي مقدمتها السعودية — إلى إعادة تقييم موقعها ودورها.

ويرى التويجري أن الحديث عن التطبيع أو الانضمام إلى مبادرات سلام تقودها الولايات المتحدة، بما فيها تلك التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لا يعكس بالضرورة قبولًا إقليميًا بإسرائيل بقدر ما يمثل محاولة لإدارة التوترات واحتواء تداعياتها.

مقال مثير للجدل يعكس توترًا أعمق

أثار مقال نشره التويجري وانتقد فيه بشدة علاقة الإمارات العربية المتحدة بإسرائيل جدلًا واسعًا، بعدما اتهم أبوظبي بالانحياز إلى المشروع الإسرائيلي في المنطقة. ورغم سحب المقال سريعًا بعد نشره، فقد أعيد تداوله على نطاق واسع، ما أعطى انطباعًا بوجود نقاش داخلي حقيقي حول اتجاهات السياسة الإقليمية.

وتعد هذه اللغة غير مألوفة في الخطاب السعودي تجاه رئيس الإمارات محمد بن زايد، الذي كان شريكًا رئيسيًا للرياض خلال العقد الماضي في ملفات عدة، من بينها اليمن ومواجهة تداعيات الربيع العربي.

غزة نقطة التحول

يرى التويجري أن الحرب في قطاع غزة شكّلت لحظة فاصلة دفعت المملكة إلى إعادة تقييم فرضية السلام مع إسرائيل، خصوصًا في ظل تصاعد الخسائر الإنسانية واتساع نطاق العمليات العسكرية.

ويشير إلى أن السعودية كانت تاريخيًا من أبرز رعاة مبادرات السلام العربية القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام، بدءًا من مبادرة عهد الملك فهد وصولًا إلى مبادرة الملك عبد الله. إلا أن التطورات الأخيرة — وفق هذا الطرح — أضعفت الثقة بإمكانية التوصل إلى تسوية دائمة في ظل الظروف الحالية.

تنافس نفوذ داخل العالم العربي

لا يقتصر التحول السعودي على العلاقة مع إسرائيل، بل يمتد إلى إعادة تعريف علاقاتها مع قوى إقليمية أخرى. إذ يرى التويجري أن التباين مع أبوظبي أصبح أكثر وضوحًا في ملفات مثل اليمن والسودان، حيث تتباين أولويات الطرفين بشأن شكل الدولة ومستقبل السلطة هناك.

ويضيف أن السعودية باتت تنظر بقلق إلى سياسات الإمارات في بعض المناطق، معتبرة أنها قد تؤدي إلى تفتيت الدول أو خلق كيانات محلية متنافسة، وهو ما يتعارض — بحسب هذا الرأي — مع مفهوم الاستقرار الذي تسعى إليه المملكة على حدودها ومحيطها الحيوي.

الانفتاح على توازنات جديدة

في المقابل، تشير القراءة ذاتها إلى أن السعودية تسعى إلى تنويع شراكاتها الإقليمية، بما في ذلك تحسين العلاقات مع تركيا والحفاظ على مسار التهدئة مع إيران، في محاولة لتقليل احتمالات الانزلاق إلى صراعات واسعة.

ويحذر التويجري من أن أي مواجهة مباشرة مع إيران قد تكون ذات كلفة عالية على المنطقة بأكملها، نظرًا لقدرات طهران العسكرية وتأثيرها عبر حلفائها، إضافة إلى حساسية ممرات الطاقة مثل مضيق هرمز.

تحول من الهيمنة إلى إدارة المخاطر

في المجمل، تعكس هذه الطروحات — سواء اتُّفق معها أم لا — تصورًا مفاده أن سياسة السعودية هو التحرك من موقع الساعي إلى قيادة إقليمية مطلقة نحو دور يركز على إدارة التوازنات ومنع الانهيارات الكبرى، خصوصًا في ظل بيئة دولية متقلبة وتراجع القدرة الأمريكية على فرض حلول نهائية للنزاعات.

ويرى مراقبون أن هذا التحول لا يعني انسحاب الرياض من المشهد، بل محاولة لإعادة تشكيله بطريقة تقلل المخاطر المباشرة على أمنها القومي وتمنحها هامش مناورة أوسع بين القوى المتنافسة في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى