حرب إيران تهدد مكانة الخليج كمركز للمال العالمي

تثير الحرب الدائرة في الخليج مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الشرق الأوسط كمصدر رئيسي لرأس المال العالمي، بعدما بدأت تداعيات الصراع تلقي بظلالها على المراكز المالية الإقليمية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم محركات الاستثمار الدولي.

وقد يهدد استمرار الحرب تدفق الاستثمارات الضخمة القادمة من المنطقة إلى الأسواق العالمية بعد أن أدى التصعيد العسكري إلى تعطيل تدفقات النفط والأسمدة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، غير أن تدفقات الأموال والاستثمارات من الخليج إلى الخارج لم تتوقف حتى الآن.

ويحذر خبراء الأسواق من أن استمرار الحرب قد يغير هذه المعادلة إذا طال أمد الصراع أو اتسع نطاقه.

وخلال السنوات الماضية نجحت دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية وقطر، في ترسيخ مكانتها كمراكز مالية دولية تستقطب رؤوس الأموال والشركات العالمية.

كما أصبحت صناديق الثروة السيادية في هذه الدول من أكبر المستثمرين في الاقتصاد العالمي، سواء عبر الاستثمارات المباشرة أو من خلال ضخ الأموال في صناديق الاستثمار الدولية.

وتظهر بيانات مؤسسة بيتش بوك أن صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط ضخت العام الماضي نحو اثنين وأربعين ملياراً ونصف المليار دولار في استثمارات رأس المال الجريء، وهو ارتفاع كبير مقارنة بثلاثة عشر مليار دولار فقط في العام السابق.

ولا تشمل هذه الأرقام مليارات أخرى استثمرت بشكل غير مباشر عبر الالتزامات المالية لصناديق الاستثمار العالمية أو من خلال صفقات الأسهم الخاصة.

لكن هذه الديناميكية الاستثمارية تواجه اختباراً صعباً مع تصاعد التوتر العسكري في المنطقة. فقد هددت إيران أخيراً باستهداف البنوك والشركات المالية المرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل، الأمر الذي أثار قلقاً داخل المؤسسات المالية العاملة في مراكز مثل دبي والدوحة.

وأفادت مصادر مالية بأن بعض البنوك والشركات الاستثمارية بدأت بالفعل بإخلاء مكاتبها مؤقتاً أو تقليص وجودها الميداني في هذه المدن تحسباً لأي تصعيد محتمل. كما انتقل عدد من الموظفين إلى العمل عن بعد أو غادروا المنطقة مؤقتاً إلى مراكز مالية أخرى.

ورغم هذه التطورات لا تزال عمليات الاستثمار والصفقات المالية مستمرة حتى الآن دون اضطراب كبير.

فقد أعلنت مجموعة استثمارية سعودية أخيراً عن تقديم عرض للاستحواذ على شركة كابريكورن إنرجي المدرجة في بورصة لندن، بينما تقدم صندوق استثماري قطري بعرض لشراء سلسلة مطاعم بابا جونز العالمية.

كما أكد مسؤولون في شركات توظيف متخصصة في صناديق الاستثمار الخاصة داخل الولايات المتحدة أنهم لم يتلقوا حتى الآن أي مؤشرات على تأخر في الالتزامات المالية أو تعثر في تحويل الأموال من مؤسسات الشرق الأوسط.

ويرى بعض المحللين أن السبب في استمرار النشاط الاستثماري يعود إلى أن العديد من المؤسسات الخليجية الكبرى تمتلك فرقاً استثمارية تعمل خارج المنطقة، ما يسمح لها بإدارة استثماراتها العالمية حتى في ظل التوترات الأمنية.

لكن هذا الاستقرار قد لا يستمر طويلاً إذا تصاعدت الحرب أو استمرت لفترة أطول. فالمخاطر الأمنية قد تدفع الحكومات الخليجية إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية وتوجيه جزء أكبر من مواردها إلى الإنفاق الدفاعي والأمني.

كما أن تعطل صادرات النفط والغاز لفترات طويلة قد يؤدي إلى تراجع الإيرادات الحكومية، وهو ما قد ينعكس على حجم الأموال المتاحة للاستثمار الخارجي.

ويحذر خبراء الاقتصاد من أن صناديق الثروة السيادية قد تتجه في مثل هذه الظروف إلى إبطاء وتيرة استثماراتها الجديدة أو تأجيل بعض الصفقات الدولية إلى حين استقرار الأوضاع في المنطقة.

إضافة إلى ذلك قد يواجه قطاع الأعمال تحديات أخرى إذا تسببت الحرب في قيود على السفر الجوي أو في تعطيل حركة الطيران بين المراكز المالية العالمية.

ورغم أن العمل عن بعد أصبح أكثر شيوعاً منذ جائحة كورونا، فإن استمرار الاعتماد عليه لفترات طويلة قد يخلق تعقيدات إضافية في إدارة الصفقات والاستثمارات الدولية.

كما يبرز عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في سمعة المراكز المالية في الخليج. فقد عملت دول المنطقة خلال العقد الماضي على تسويق نفسها باعتبارها بيئة مستقرة وآمنة للأعمال والاستثمار.

لكن استمرار الحرب بالقرب من هذه المراكز قد يثير تساؤلات لدى المستثمرين الدوليين حول مستوى المخاطر المرتبطة بالعمل في المنطقة.

ويشير التقرير إلى أن الشرق الأوسط أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر رأس المال في الاقتصاد العالمي، حيث تلعب صناديق الثروة السيادية الخليجية دوراً محورياً في تمويل مشاريع التكنولوجيا المتقدمة وشركات الذكاء الاصطناعي والاستثمارات الكبرى حول العالم.

غير أن هذه المكانة قد تصبح موضع اختبار إذا استمرت الحرب الحالية أو توسعت لتشمل مزيداً من الدول في المنطقة.

ويخلص التقرير إلى أن تدفقات الأموال من الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمي لا تزال مستمرة حتى الآن، لكن استمرار هذا الدور لم يعد أمراً مضموناً في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الخليج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى