تسارع التحركات السياسية بين دمشق وبيروت لاحتواء المخاوف من تدخل سوري

تسارعت التحركات السياسية بين دمشق وبيروت خلال الأيام الأخيرة لاحتواء المخاوف المتصاعدة من احتمال إسناد دور سوري في مواجهة حزب الله داخل لبنان، بعدما كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات أوحت برغبته في منح دمشق دوراً رئيسياً في التعامل مع الحزب، في وقت أكدت القيادة السورية أن أولويتها تتمثل في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية والحلول السياسية.

وأعادت تصريحات ترامب فتح ملف الدور السوري في لبنان بعد سنوات من انتهاء الوجود العسكري السوري، وأثارت تساؤلات واسعة بشأن طبيعة التصور الأمريكي لمستقبل حزب الله، في ظل استمرار الجهود الرامية لإعادة رسم التوازنات الإقليمية عقب الحرب الأخيرة.

وكان الرئيس الأمريكي قد كرر في أكثر من مناسبة أن سوريا قد تكون الطرف الأنسب للتعامل مع حزب الله، معرباً عن استيائه مما وصفه بفشل إسرائيل في القضاء على الحزب دون إلحاق دمار واسع بالمناطق المدنية.

وقال ترامب في إحدى مقابلاته التلفزيونية إنه يفكر في “تسليم” الملف إلى سوريا، دون أن يوضح طبيعة هذا الدور أو ما إذا كان يقصد تدخلاً عسكرياً أو وساطة سياسية أو تعاوناً أمنياً بين دمشق وبيروت.

ورغم الغموض الذي أحاط بهذه التصريحات، فإنها عززت الانطباع بوجود نقاش داخل الإدارة الأمريكية حول منح سوريا دوراً في الحد من نفوذ حزب الله، وهو ما أثار قلقاً واسعاً في الأوساط اللبنانية، بالنظر إلى الإرث التاريخي للعلاقات بين البلدين.

وتتعارض تصريحات ترامب مع مواقف سابقة أعلنها المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك، الذي نفى بشكل قاطع التقارير التي تحدثت عن ضغوط أمريكية على دمشق لإرسال قوات إلى لبنان، واصفاً تلك المعلومات بأنها غير صحيحة.

وكانت تقارير إعلامية قد أشارت في مارس الماضي إلى أن مسؤولين أمريكيين طرحوا على القيادة السورية فكرة إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساهمة في جهود نزع سلاح حزب الله، إلا أن دمشق أبدت تحفظاً على المقترح خشية الانجرار إلى مواجهة إقليمية جديدة أو إثارة توترات داخلية في سوريا ولبنان.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن المقترح أعيد تداوله مجدداً مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قبل أن تعود واشنطن لنفي وجود أي ضغوط رسمية بهذا الاتجاه.

في المقابل، أكدت مصادر سورية أن القيادة السورية عقدت اجتماعات مع مسؤولين وقادة فصائل لمناقشة هذه التقارير، وانتهت إلى رفض أي تدخل عسكري داخل الأراضي اللبنانية، مع التأكيد على أن دمشق لا تنوي إرسال قوات إلى لبنان تحت أي ظرف.

كما نقلت مصادر لبنانية أن الحكومة في بيروت تلقت خلال الأسابيع الماضية رسائل تطمين من دمشق تؤكد عدم وجود خطط لعبور القوات السورية إلى الأراضي اللبنانية، في محاولة لاحتواء المخاوف التي أثارتها التصريحات الأمريكية.

وأوضحت المصادر أن السلطات السورية أبلغت الجانب اللبناني بأنها تفضل الاستعانة بحلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم السعودية وقطر وتركيا، لمواجهة أي ضغوط قد تمارسها واشنطن من أجل تغيير موقفها.

وفي ظل تصاعد الحديث عن هذا الملف، سعت دمشق إلى توضيح موقفها بصورة علنية، حيث أكد الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاءات وتصريحات إعلامية أن ما نُسب إلى الإدارة الأمريكية أُسيء تفسيره، نافياً وجود أي نية لإرسال قوات سورية إلى لبنان.

وأوضح الشرع أن النقاشات التي جرت مع المسؤولين الأمريكيين تناولت سبل المساهمة في تحقيق الاستقرار الإقليمي من خلال الوسائل السياسية والاقتصادية، وليس عبر أي تدخل عسكري.

وأشار إلى أن رؤية دمشق تقوم على دعم الدولة اللبنانية وتعزيز مؤسساتها الرسمية بما يسمح ببسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن العلاقات المستقبلية بين البلدين يجب أن تركز على التعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة وليس على الأدوار العسكرية.

وأضاف أن سوريا مستعدة للحوار مع مختلف القوى اللبنانية، بما في ذلك حزب الله، إذا كان ذلك يخدم مصالح البلدين ويسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.

ورغم أن الشرع أقر بأن مشاركة حزب الله في الحرب السورية تركت آثاراً عميقة داخل المجتمع السوري، فإنه أكد أن هذا الإرث لا يمنع دمشق من الانخراط في حوار مع جميع الأطراف اللبنانية إذا اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.

وفي بيروت، رحبت الرئاسة اللبنانية بالتوضيحات السورية، معتبرة أنها ساهمت في تهدئة المخاوف التي أثارتها التصريحات الأمريكية، وأكدت أن الموقف السوري الداعي إلى احترام سيادة لبنان وتعزيز مؤسسات الدولة لقي ارتياحاً لدى القيادة اللبنانية.

لكن مراقبين يرون أن التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي، إلى جانب الروايات المتباينة بشأن الاتصالات الأمريكية السورية، تعكس استمرار البحث داخل واشنطن عن ترتيبات جديدة للتعامل مع حزب الله، في إطار إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في المنطقة بعد الحرب الأخيرة.

ويشير هؤلاء إلى أن الغموض الذي يكتنف طبيعة الدور الذي تتصوره الولايات المتحدة لسوريا يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التكهنات، خصوصاً مع استمرار الضغوط الدولية لإعادة ترتيب موازين القوى في لبنان، وسط حرص دمشق على التأكيد أن أي مساهمة سورية ستبقى محصورة في المسارات السياسية والدبلوماسية، بعيداً عن العودة إلى أي وجود عسكري داخل الأراضي اللبنانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى