قمة أنقرة تضع مستقبل الناتو على المحك وسط تراجع الدور الأمريكي

يتوجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة حلف شمال الأطلسي “الناتو” إلى العاصمة التركية أنقرة للمشاركة في قمة حاسمة قد تسهم في تحديد مستقبل الحلف، وسط خلافات بشأن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، ومساعٍ لنقل مزيد من المسؤوليات الدفاعية إلى الحلفاء الأوروبيين، بالتزامن مع سعي تركيا إلى استثمار صعود صناعاتها الدفاعية وتعزيز موقعها داخل المنظومة الأمنية الغربية.

وكثفت الحكومة التركية استعداداتها لاستضافة القمة المقررة يومي الثلاثاء والأربعاء، عبر تنفيذ أعمال واسعة لتجميل العاصمة وإصلاح الطرق وزراعة الزهور ونصب لافتات ضخمة لإخفاء المباني سيئة الصيانة، فيما يتوقع أن تدخل أنقرة في إغلاق جزئي خلال انعقاد الاجتماعات.

واتخذت السلطات التركية إجراءات لمنع الاحتجاجات المحتملة أو أي “إزعاج”، وفق تعبير مسؤولين أتراك، شملت احتجاز أعضاء في منظمات يسارية وناشطين بيئيين، إضافة إلى توقيف ناشطين مؤيدين للفلسطينيين بصورة مؤقتة لمنع تنظيم مظاهرات مفاجئة في العاصمة.

وينظر المسؤولون الأتراك إلى القمة باعتبارها فرصة مهمة لتعزيز ارتباط صناعة الدفاع التركية بالأسواق الغربية وتحويل الحدث إلى منصة لتسويق المنتجات العسكرية التركية.

وساهم النمو المتسارع في قطاعات الطائرات المسيّرة المسلحة والذخائر وبناء السفن الحربية في تحويل تركيا إلى قوة متصاعدة في سوق الصناعات الدفاعية، بعدما بلغت صادراتها العسكرية نحو 10 مليارات دولار خلال عام 2025.

ورغم استياء بعض الحلفاء الأوروبيين من طريقة تعامل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع المعارضة الداخلية، تجنبت الحكومات الأوروبية إلى حد كبير توجيه انتقادات مباشرة إلى أنقرة، وسط آمال بأن تساعد تركيا في إحياء الصناعة الدفاعية الأوروبية وتقديم مساهمة أكبر من قواتها المسلحة، التي تشكل ثاني أكبر جيش داخل الناتو بعد الولايات المتحدة.

وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والأمين العام للناتو مارك روته، في مقال مشترك نشرته مجلة “الإيكونوميست”، أن تعزيز القدرات الدفاعية للحلف يتطلب الاستفادة من الأصول والخبرات والقدرات الابتكارية الممتدة من الولايات المتحدة إلى أوروبا وتركيا.

وشددا على أن الطريق لتحقيق ذلك يمر عبر التعاون وتوحيد جهود الدول والصناعات والحلفاء والشركاء.

ويقر دبلوماسيون أوروبيون، خلال اجتماعات مغلقة، بدور أردوغان في إقناع ترامب بزيارة أنقرة، ويعتمدون على الرئيس التركي للمساعدة في إقناع نظيره الأمريكي باستمرار أهمية حلف الناتو.

وتنعقد القمة وسط تزايد الحديث عن مفهوم “الناتو 3.0″، الذي يشير إلى مرحلة جديدة من تطور الحلف بعد انتهاء الحرب الباردة والتحول السابق نحو مواجهة التهديدات الإرهابية.

ويركز المفهوم الجديد على بناء القدرات العسكرية وتحديث البنية التحتية للصناعات الدفاعية وزيادة تقاسم الأعباء بين أعضاء الحلف، بهدف سد الفراغات التي قد تتركها الولايات المتحدة نتيجة تقليص وجودها العسكري في أوروبا وتركيز مزيد من مواردها على مواجهة الصين.

وكان البنتاغون قد أعلن جدولًا زمنيًا مدته ستة أشهر لتحديد القوات والطائرات والقدرات العسكرية التي سيتم سحبها من أوروبا.

وبدأ الحلفاء الأوروبيون بالفعل في زيادة مساهماتهم، فيما قال القائد الأعلى لحلف الناتو، الجنرال أليكسوس غرينكويتش، إن الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف تمكنت إلى حد كبير من سد الثغرات التي خلفتها الولايات المتحدة في خطط الدفاع.

ولم تكشف واشنطن رسميًا عن تفاصيل التخفيضات، إلا أن معلومات قدمها مصدر عسكري لوكالة “رويترز” تشير إلى أن التقليص يشمل الطائرات المقاتلة وطائرات التزود بالوقود والطائرات المسيّرة والسفن.

وبحسب المصدر، سينخفض عدد الطائرات المقاتلة الأمريكية من طرازي “إف-15″ و”إف-15 إي” المتاحة للناتو بمقدار الثلث إلى 99 طائرة، فيما سينخفض عدد الطائرات المسيّرة من طرازي “إم كيو-4″ و”إم كيو-9 ريبر” إلى النصف ليصل إلى 12 طائرة.

كما سينخفض عدد طائرات التزود بالوقود من طرازي “KC-135″ و”KC-46” من 79 إلى 63 طائرة، فيما ستخصص واشنطن للناتو قاذفة استراتيجية واحدة وحاملة طائرات واحدة بدلًا من اثنتين.

وقال دبلوماسيون أوروبيون للموقع إن القمة ستشهد تعزيز الركيزة الأوروبية داخل الحلف، من خلال تعهد الدول الأوروبية بتعميق التعاون وزيادة إنتاج الأسلحة وتقديم مزيد من الالتزامات العملياتية.

ويرجح أن تنتقل مسؤوليات الدفاع التقليدية داخل الناتو بصورة متزايدة إلى الحلفاء الأوروبيين وكندا، مع تقليص الولايات المتحدة تدريجيًا لدورها العسكري التقليدي، وهو تحول قد يتطلب تغييرات في هيكل قيادة الحلف.

وبحسب الصحفي التركي غولدنر سونوموت، ستحتفظ الولايات المتحدة بالقيادة الاستراتيجية والتخطيط، فيما يتولى الأوروبيون مزيدًا من المسؤوليات العملياتية.

وتكتسب قمة أنقرة أهمية إضافية بالنسبة لصناعة الدفاع التركية، إذ من المتوقع أن تظل اتفاقيات التقييس الخاصة بالناتو “ستاناغ” الإطار المركزي للتعاون الدفاعي، ما يحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على بناء معايير عسكرية منفصلة.

ويصب ذلك في مصلحة الشركات الدفاعية التركية التي تستخدم بالفعل معايير الناتو، ويفتح أمامها فرصًا أوسع للوصول إلى الأسواق الأوروبية والمشاركة في مشروعات التسليح المشتركة.

ومن المقرر عقد منتدى للصناعات الدفاعية خلال القمة، إلى جانب توقيع عدد كبير من اتفاقيات التعاون متعددة الجنسيات، تشمل مجالات القدرات العملياتية متعددة المجالات والاستخبارات الفضائية.

ويرى الكاتب التركي يحيى بوستان أن النقاش بين تركيا وأوروبا بشأن موقع أنقرة داخل بنية الأمن الأوروبي في مرحلة تراجع الدور الأمريكي انتهى إلى نتيجة واحدة تتمثل في تعزيز التعاون تحت مظلة الناتو، بدل إنشاء آلية أمنية جديدة.

وبحسب هذا التوجه، ستزيد الدول الأوروبية إنفاقها العسكري ومشاركتها الدفاعية إلى جانب تركيا داخل الحلف.

كما يرجح أن تعيد الولايات المتحدة التأكيد خلال القمة على دورها ضامنًا للأمن النووي الأوروبي، مع احتمال توسيع عدد الدول التي تستضيف أنظمة أسلحة مزدوجة القدرات يمكنها حمل رؤوس حربية تقليدية ونووية.

ويقتصر عدد هذه الدول حاليًا على خمس دول، بينها تركيا، فيما أقر البرلمان الفنلندي تشريعًا يسمح لفنلندا باستضافة مثل هذه الأسلحة.

وتضع قمة أنقرة مستقبل حلف الناتو أمام اختبار حاسم بشأن قدرة أعضائه على إدارة مرحلة تقليص الدور العسكري الأمريكي التقليدي في أوروبا، وإعادة توزيع المسؤوليات الدفاعية، وتعزيز الإنتاج العسكري، في وقت تسعى فيه تركيا إلى تثبيت موقعها بوصفها قوة عسكرية وصناعية رئيسية داخل الحلف وشريكًا لا يمكن تجاوزه في مستقبل الأمن الأوروبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى