منظمات حقوقية تقاضي إدارة ترامب بتهمة استهداف المحكمة الجنائية الدولية

رفعت أربع منظمات حقوقية بارزة دعوى قضائية أمام محكمة اتحادية في الولايات المتحدة ضد إدارة الرئيس دونالد ترامب، متهمة إياها بشن هجوم غير مسبوق على المحكمة الجنائية الدولية وتقويض منظومة العدالة الدولية عبر فرض عقوبات على مسؤولين وقضاة ومدعين عامين في المحكمة، إلى جانب استهداف مقررة أممية وثلاث منظمات حقوقية فلسطينية.
وتقدمت بالدعوى كل من هيئة خدمات الأصدقاء الأمريكية، ومركز الحقوق الدستورية، وهيومن رايتس ووتش، ومعهد المجتمع المفتوح، معتبرة أن الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب في السادس من فبراير/شباط 2025 يتجاوز صلاحيات الرئيس الأمريكي، وينتهك الدستور والقانون الأمريكي، فضلاً عن تعارضه مع التزامات الولايات المتحدة بموجب القانون الدولي.
وأكدت المنظمات أن نظام العقوبات الذي فرضته الإدارة الأمريكية لا يقتصر أثره على المسؤولين المستهدفين، بل يمتد ليقوض قدرة ضحايا جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية حول العالم على الوصول إلى العدالة، ويشل عمل منظمات المجتمع المدني التي تتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في توثيق الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها.
وأوضحت الدعوى أن العقوبات الأمريكية تجبر المؤسسات الحقوقية على تقليص أو وقف جزء كبير من أنشطتها القانونية والحقوقية، خشية التعرض لعقوبات جنائية قد تصل إلى السجن عشرين عاماً وغرامات مالية كبيرة، إذا قدمت أي خدمات أو أشكال تعاون مع الأشخاص أو الجهات الخاضعة للعقوبات.
وقال كبير المحامين أندرو لوينستين من مكتب “فولي هوغ” الذي يمثل المنظمات المدعية، إن اجتماع هذا العدد من أبرز المؤسسات الحقوقية للطعن في الأمر التنفيذي يعكس حجم الضرر الذي ألحقه القرار بعمل منظمات المجتمع المدني، مؤكداً أن الإدارة الأمريكية تجاوزت سلطاتها التنفيذية واعتدت على مبادئ العدالة الدولية والحريات الأساسية التي يكفلها الدستور الأمريكي.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تصعيد مستمر من إدارة ترامب ضد المحكمة الجنائية الدولية، بعدما فرضت عقوبات على المدعين العامين للمحكمة، وثمانية من قضاتها، والمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى ثلاث منظمات حقوقية فلسطينية.
وتقول المنظمات إن هذه الإجراءات لا تستهدف أشخاصاً بعينهم، وإنما ترسل رسالة ترهيب إلى جميع المدافعين عن حقوق الإنسان، وتهدف إلى منع أي تعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، خاصة في القضايا المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات المرتكبة في فلسطين.
وتنظر المحكمة الجنائية الدولية حالياً في ثمانية عشر تحقيقاً تتعلق بجرائم دولية في عدد من الدول، من بينها أفغانستان، وليبيا، والسودان، وأوكرانيا، والفلبين، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إضافة إلى فلسطين.
وكانت المحكمة قد أصدرت مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، وهو ما اعتبرته المنظمات أحد الأسباب الرئيسية وراء التصعيد الأمريكي ضد المحكمة.
وقالت الأمينة العامة لهيئة خدمات الأصدقاء الأمريكية، جويس عجلوني، إن استهداف المحكمة الجنائية الدولية لا يضر فقط بالمؤسسات القانونية، وإنما يمثل إساءة مباشرة لجميع ضحايا جرائم الحرب والإبادة الجماعية، مؤكدة أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى ترهيب المدافعين عن حقوق الإنسان وتجريم كل من يعمل من أجل العدالة الدولية.
وأشارت المنظمات إلى أن العقوبات أدت بالفعل إلى تجميد حسابات مصرفية وإغلاق خدمات مالية ورقمية لعدد من المستهدفين، ومنعت بعضهم من السفر، كما ألحقت أضراراً مباشرة بالمنظمات الأمريكية التي أصبحت عاجزة عن تمثيل ضحايا جرائم الحرب أمام المحكمة أو تقديم مذكرات قانونية أو التعاون مع المنظمات الحقوقية الفلسطينية.
وقالت المحامية كاثرين غالاغر من مركز الحقوق الدستورية إن إدارة ترامب لم تكتف بحرمان الضحايا الفلسطينيين وغيرهم من السعي إلى العدالة، بل ذهبت إلى حد تجريم المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يمثلونهم أو يعملون معهم، معتبرة أن جميع ضحايا الجرائم الدولية، من السودان وأوكرانيا إلى فلسطين وأفغانستان، يحتاجون إلى محكمة جنائية مستقلة وقادرة على العمل بعيداً عن الضغوط السياسية.
ويأتي التحرك القضائي بعد إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في يوليو/تموز الماضي، إطلاق حملة لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية، تضمنت توسيع استخدام العقوبات والضغط على الدول الأعضاء للانسحاب منها، بزعم حماية السيادة الأمريكية.
وترى المنظمات المدعية أن هذا الموقف يتناقض مع المبادئ القانونية الدولية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة نفسها تقر بإمكانية محاكمة مواطنيها أمام محاكم أجنبية عندما يرتكبون جرائم خارج أراضيها، وهو ما يجعل الادعاء بأن المحكمة تشكل تهديداً للسيادة الأمريكية فاقداً للأساس القانوني.
وأكد المدير التنفيذي لمبادرة العدالة في معهد المجتمع المفتوح، جيمس غولدستون، أن العقوبات تمثل اعتداءً على استقلال القضاء الدولي، وعلى المجتمع المدني الأمريكي والعالمي، وتشكل تراجعاً عن الدور التاريخي الذي لعبته الولايات المتحدة في دعم العدالة الدولية.
ولفتت المنظمات إلى أن محاكم اتحادية أمريكية سبق أن أوقفت تنفيذ أجزاء من هذا الأمر التنفيذي خلال عام 2025، بعدما رأت أنه ينتهك التعديل الأول من الدستور الأمريكي المتعلق بحرية التعبير، فيما أعلنت دول أطراف في المحكمة الجنائية الدولية، والاتحاد الأوروبي، والأمين العام للأمم المتحدة، والمفوض السامي لحقوق الإنسان، وخبراء أمميون، رفضهم الصريح لمحاولات واشنطن عرقلة عمل المحكمة.
وأكدت مديرة العدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش، ليز إيفنسون، أن الدعوى القضائية تهدف إلى وقف الهجمات على المحكمة الجنائية الدولية وحماية الحيز المدني العالمي، داعية الحكومات إلى الدفاع عن استقلال المحكمة وضمان استمرارها في محاسبة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية، أياً كانت مناصبهم أو جنسياتهم، حتى لا يبقى أحد فوق القانون.















