الخليج يضخ مليارات الدولارات لحماية المياه وتغذية طموحات الذكاء الاصطناعي

تدفع دول الخليج بأمن المياه إلى قلب خططها الاقتصادية الجديدة، مع توسعها في بناء مراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي والمدن والصناعات الحديثة، في وقت باتت فيه المياه المحلاة موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة بالنسبة إلى اقتصادات المنطقة.
وتكشف الاستثمارات الضخمة في محطات التحلية والبنية المائية عن معادلة جديدة تواجهها دول الخليج: فطموح التحول إلى مراكز عالمية للذكاء الاصطناعي والصناعة الرقمية يتطلب كميات متزايدة من الكهرباء، لكنه يحتاج أيضًا إلى إمدادات مائية مستقرة لتبريد الخوادم العملاقة وتشغيل المنشآت الصناعية وتلبية احتياجات السكان المتزايدين.
وتبرز الإمارات في مقدمة هذا التحول، مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، من بينها مشروع “ستارغيت الإمارات” في أبوظبي، الذي يتضمن بنية حوسبة فائقة ومركز بيانات بقدرة تصل إلى جيجاوات واحد، وسط تقديرات بتجاوز تكلفته 30 مليار دولار.
وتزامن هذا التوسع مع ارتفاع كبير في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل الإمارات، ما يضاعف الحاجة إلى ضمان موارد مائية قادرة على مواكبة الاقتصاد الرقمي الجديد. وتؤدي المياه دورًا مباشرًا في أنظمة تبريد مراكز البيانات التي تضم آلاف المعالجات والخوادم عالية القدرة، والتي تولد كميات ضخمة من الحرارة.
وبحسب تقديرات أوردتها مؤسسة بروكينغز، يمكن لمركز بيانات نموذجي أن يستهلك نحو 300 ألف غالون من المياه يوميًا، بينما قد تصل احتياجات المراكز العملاقة إلى نحو 5 ملايين غالون يوميًا، وهي كمية تعادل احتياجات مدينة تضم عشرات الآلاف من السكان.
وفي مواجهة هذا الطلب، تراهن دول الخليج على التوسع في محطات تحلية المياه باعتبارها خط الدفاع الرئيسي عن خطط النمو الصناعي والرقمي. وتبني أبوظبي محطات جديدة للتحلية، بينما تؤكد السلطات أن زيادة الإنتاج ستتواصل وفق حجم الطلب، مع الاعتماد على مصادر متعددة للمياه من الخليج العربي وخليج عمان لتعزيز مرونة الإمدادات.
وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية مضاعفة بسبب هشاشة البيئة البحرية التي تعتمد عليها المنطقة بصورة شبه كاملة. فدول الخليج تقع ضمن أكثر مناطق العالم معاناة من الإجهاد المائي، فيما تعتمد بعض الدول بصورة كبيرة جدًا على المياه المحلاة لتلبية احتياجات السكان والاقتصاد.
وأظهرت بيانات حديثة أن الشرق الأوسط أنفق نحو 53.4 مليار دولار بين عامي 2006 و2024 على زيادة قدرات تحلية المياه، بما يمثل ما يقارب نصف الإنفاق الرأسمالي العالمي في هذا القطاع. ومن المتوقع ضخ عشرات المليارات الإضافية خلال السنوات المقبلة، مع استمرار نمو السكان وتوسع المدن والمشروعات الصناعية.
وتتجه السعودية بدورها إلى زيادة الاستثمار في البنية المائية بالتوازي مع مشاريعها العملاقة لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، واستثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات الحديثة.
وتشير التقديرات إلى أن الطلب على الطاقة والمياه في هذه القطاعات سيتصاعد بوتيرة متسارعة، فيما قد يحتاج قطاع الذكاء الاصطناعي في الإمارات وحدها إلى نحو 61 مليار لتر من المياه سنويًا بحلول عام 2030.
ولا يقتصر التحدي على تأمين كميات أكبر من المياه، بل يمتد إلى كيفية خفض الكلفة البيئية والطاقية لإنتاجها. ولذلك بدأت شركات خليجية في اختبار أنظمة تبريد جديدة، بينها التبريد السائل، يمكن أن تقلل استهلاك المياه المخصصة لتبريد مراكز البيانات بنسبة كبيرة.
كما تراهن المنطقة على دمج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في عمليات التحلية، بما يساعد على تقليص كلفة إنتاج المياه وخفض الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية. ويعكس هذا التحول ارتباط ثلاثة ملفات استراتيجية ببعضها البعض: الطاقة والمياه والذكاء الاصطناعي.
لكن التحدي الأكبر يبقى في أمن مصدر المياه نفسه. فالتلوث البحري أو استهداف محطات التحلية خلال النزاعات الإقليمية يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة تمس ملايين السكان والمنشآت الاقتصادية. وقد سلطت الهجمات التي تعرضت لها منشآت تحلية في البحرين والكويت، إلى جانب المخاوف من التلوث في الخليج، الضوء على هشاشة هذا المورد الحيوي.
وبينما تتسابق دول الخليج لبناء اقتصاد يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة، تتحول محطات التحلية من مجرد منشآت خدمية إلى بنية تحتية استراتيجية تحمي مستقبل هذه المشاريع.
ويبدو أن الرهان الخليجي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط على امتلاك أكبر مراكز البيانات أو أسرع الحواسيب، بل على القدرة على توفير الماء والطاقة بشكل مستدام وآمن، لأن الاقتصاد الرقمي الذي تطمح إليه المنطقة قد يتوقف في النهاية عند مورد واحد لا يمكن الاستغناء عنه: المياه.















