وفاة الجنرال الصربي راتكو ملاديتش في سجن لاهاي عن عمر 83 عاماً

أعلنت آلية الأمم المتحدة الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحاكم الجنائية، مساء يوم الثلاثاء الموافق 28 أغسطس 2026، عن وفاة الجنرال الصربي السابق راتكو ملاديتش. وقد توفي القائد العسكري الذي اشتهر بلقب «جزار البوسنة» داخل أحد مستشفيات مدينة لاهاي الهولندية، حيث كان يقضي حكمه بالسجن المؤبد. وأشارت الآلية إلى أن ملاديتش وافته المنية عن عمر ناهز 83 عاماً، مؤكدة أن القاضية جراسييلا جاتي سانتانا قد أمرت بإجراء تحقيق شامل ومفصل لكشف جميع الملابسات المحيطة بظروف وفاته.

تدهور صحي حيد ورفض الإفراج

كانت صحة ملاديتش قد شهدت تدهوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة من حياته، حيث تعرض لسلسلة من الجلطات الدماغية الخطيرة، بالإضافة إلى إصابته بنوبة قلبية عام 2013. وفي وقت سابق من الشهر الحالي، حذر طبيب تابع للأمم المتحدة من أن حالة الجنرال المتوفى قد تتفاقم بشكل مفاجئ، مشيراً إلى احتمال حدوث الوفاة في أي لحظة أو خلال أسابيع قليلة. ورغم هذه التحذيرات الطبية، تم رفض طلبات متعددة للإفراج عنه لأسباب إنسانية وصحية، مما جعله يمضي سنواته الأخيرة تحت الحراسة المشددة حتى رحيله.

إدانة بالإبادة الجماعية وجرائم حرب

يُعد ملاديتش واحداً من أبرز المهندسين السياسيين والعسكريين لسياسات التطهير العرقي التي شهدتها حرب البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي. وقد أدانته المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة عام 2017 بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وذلك لدوره المحوري في التخطيط والتنفيذ لمجزرة سريبرينيتسا عام 1995. وتعتبر هذه المجزرة أسوأ مذبحة تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث قتل فيها ما لا يقل عن ثمانية آلاف مسلم بوسني على يد قواته.

كما اتهمته المحكمة بالمشاركة في مؤامرة إجرامية مشتركة مع الرئيس الصربي الراحل سلوبودان ميلوشيفيتش والزعيم السياسي لصرب البوسنة رادوفان كاراديتش، بهدف الطرد القسري للمسلمين البوسنيين والكروات وغير الصرب من مناطق واسعة، تمهيداً لإقامة كيان صربي أوسع. وقد وصف مفوض الأمم المتحدة السابق لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين، ملاديتش عقب إدانته بأنه «تجسيد للشر»، نظراً لدوره في حرب أودت بحياة أكثر من 100 ألف شخص وشردت مليون آخرين.

حصار سراييفو ومجزرة سريبرينيتسا

كان ملاديتش مسؤولاً عسكرياً رئيسياً عن فرض حصار خانق على العاصمة البوسنية سراييفو استمر لأكثر من ثلاثة أعوام، تعرض خلاله المدنيون لقصف متواصل بالمدفعية والدبابات ونيران القناصة، مما أسفر عن مقتل نحو عشرة آلاف شخص. وفي يوليو 1995، اقتحمت قواته منطقة سريبرينيتسا التي أعلنتها الأمم المتحدة «منطقة آمنة»، وقامت بتجميع آلاف الرجال والفتيان المسلمين وإعدامهم جماعياً، ثم دفن جثثهم في مقابر جماعية واستخدمت الجرافات لإخفاء الأدلة.

وثّقت الكاميرات دخول ملاديتش المدينة وهو يهنئ قواته بانتصاره ويقول: «نهدي هذه المدينة إلى الشعب الصربي»، معتبراً ذلك انتقاماً من المسلمين الأتراك الذين حكموا المنطقة في عهد الإمبراطورية العثمانية. وفي اليوم التالي، ظهرت قواته في تسجيلات توزع الحلوى على الأطفال، بينما كانت عمليات الإعدام والترحيل تجري في الخلفية. كما استخدمت قواته عناصر حفظ السلام الهولنديين دروعاً بشرية أثناء تهديدات حلف شمال الأطلسي (ناتو) بشن ضربات جوية عام 1995.

الهروب والاعتقال

ولد ملاديتش في مارس 1943 في قرية بوزينوفيتشي بالبوسنة، وانضم إلى الجيش اليوغوسلافي الشعبي قبل اندلاع الحرب. وبعد إعلان استقلال البوسنة عام 1992، قاد جيش صرب البوسنة للسيطرة على نحو 70% من أراضي البلاد. ظل ملاديتش هارباً من العدالة لمدة 16 عاماً، محظوظاً بدعم قطاعات من القوميين الصرب الذين اعتبروه بطلاً، قبل أن تعتقله السلطات الصربية عام 2011. وخلال محاكمته، رفض الاعتراف بالمحكمة واتهاماتها، واصفاً الحكم الصادر ضده عام 2017 بأنه «أكاذيب»، ليبدأ بعدها فترة سجونه الطويلة حتى وفاته الحالية.

أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار الوطن الخليجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى