غريفيث: إسرائيل ترتكب إبادة جماعية هي “أسوأ جريمة في القرن”

في تصريح هو الأشد من نوعه لمسؤول أممي سابق، اتهم مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إسرائيل باستخدام الجوع كسلاح حرب في قطاع غزة، واصفاً ما يجري بأنه “الإبادة الجماعية الأسوأ في القرن الحادي والعشرين”، ومحذّراً من أن الصمت الدولي على هذه الجرائم سيفتح الباب أمام تكرارها في صراعات دولية أخرى.

غزة فريدة برعبها

بعد مسيرة مهنية امتدت لنحو خمسة عقود في العمل الإنساني والتفاوض في أعتى النزاعات، يقول غريفيث، الذي شغل حتى يوليو/تموز 2024 منصب منسق الإغاثة الطارئة بالأمم المتحدة، إنه لم يشهد وضعًا إنسانيًا يفوق في قسوته ما يجري اليوم في قطاع غزة.

وفي مقابلة حصرية مع موقع “ميدل إيست آي”، عبّر غريفيث عن صدمته قائلاً: “لا توجد تجربة سابقة في خبرتي الممتدة لعقود تضاهي الرعب الذي نراه اليوم في غزة. إنها جريمة تتحدث عن نفسها”.

وأضاف أن استخدام المجاعة كأداة حرب هو أمر غير مسبوق، مؤكدًا أن ما تشهده غزة ليس مجرد كارثة إنسانية بل سياسة ممنهجة لإبادة جماعية تستهدف المدنيين الفلسطينيين، وعلى رأسهم الأطفال.

منذ فرض الحصار الإسرائيلي المشدد على غزة في مارس/آذار 2024، تدهور الوضع الإنساني إلى مستويات كارثية. وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، توفي أكثر من 100 فلسطيني – غالبيتهم من الأطفال – بسبب الجوع أو سوء التغذية، بينهم 15 طفلاً لقوا حتفهم في يوم واحد فقط في يوليو/تموز.

تؤكد التقارير الميدانية أن سكان غزة، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، يواجهون نقصاً حاداً في المواد الغذائية والطبية، في ظل منع دخول المساعدات التي كانت تصل سابقًا بمعدل 600 شاحنة يوميًا، وهو الحد الأدنى لتلبية احتياجات السكان، وفقًا لتصريحات سابقة لرئيس الأونروا فيليب لازاريني.

أما اليوم، فآلاف الشاحنات التابعة لوكالة الأونروا ومنظمات إنسانية أخرى لا تزال عالقة في مصر والأردن، بعد أن منعتها إسرائيل من دخول القطاع، رغم أوامر متكررة من محكمة العدل الدولية بالسماح الفوري بدخول المساعدات دون عوائق.

شهادات من داخل الكارثة

جولييت توما، مديرة الاتصالات في الأونروا، وصفت الوضع قائلة: “نتلقى نداءات استغاثة يوميًا من موظفينا وسكان غزة. بعض موظفينا أغمي عليهم أثناء أداء مهامهم بسبب الجوع”.

هذا الواقع، كما يقول غريفيث، لا يحتاج إلى تفسيرات تقنية أو أدلة إضافية: “عندما ترى الأطفال يُغمى عليهم في الشوارع من الجوع، وعندما تُعلن المستشفيات أنها لم تعد قادرة على استقبال مزيد من الجثث، فهذا يروي كل القصة. إنسانيتنا تخجل مما يحدث هناك”.

محكمة العدل الدولية

في تطور لافت، أصدرت محكمة العدل الدولية – الجهاز القضائي الأعلى في الأمم المتحدة – ثلاثة أوامر في مارس/آذار، مايو/أيار، ويوليو/تموز 2024، طالبت فيها إسرائيل بضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة، باعتبار أن حرمان المدنيين من الغذاء والرعاية الطبية يمثل خرقًا لاتفاقية منع الإبادة الجماعية الموقعة عام 1948.

ورغم الطابع الملزم لهذه الأوامر، لم تلتزم إسرائيل بأي منها، في تحدٍّ صارخ للقانون الدولي، ووسط صمت غربي رسمي لا يزال يثير انتقادات واسعة من مؤسسات حقوق الإنسان.

غزة مكان للإفلات من العقاب

يُشدّد غريفيث في تصريحاته على أن ما يجعل الحالة الغزية “فريدة من نوعها” ليس فقط حجم الفظائع، بل إفلات مرتكبيها من المحاسبة الدولية، قائلاً:”ما نراه في غزة هو نموذج مثالي للإفلات التام من العقاب. هذه سابقة خطيرة يمكن أن تُكرّسها أطراف أخرى في نزاعات مماثلة”.

ويضيف محذرًا: “إذا لم يُحاسب مرتكبو الجرائم في غزة، فإننا نفتح الباب أمام أن تُكرر نفس الاستراتيجيات في أوكرانيا، أو أي مكان آخر”.

لم تقتصر تصريحات غريفيث على تحميل إسرائيل المسؤولية، بل وجّه انتقادات مباشرة لما يُعرف بـ”مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF)، وهي مبادرة مدعومة من الولايات المتحدة بدأت في مايو/أيار 2024 لتوزيع المساعدات عبر آلية منفصلة عن الأمم المتحدة، بحجة “منع وصول المساعدات إلى حماس”.

ويصف غريفيث هذه المؤسسة بأنها “إغراء للتهجير”، مشيرًا إلى أن الآلية القائمة لتوزيع المساعدات العسكرية عبر الجيش الإسرائيلي تؤدي إلى مقتل مدنيين فلسطينيين أثناء محاولاتهم الوصول إلى المساعدات.

“أكثر من ألف فلسطيني جائع قُتلوا أثناء السعي للحصول على الطعام من مراكز توزيع تديرها المؤسسة العسكرية”، يؤكد غريفيث، مضيفًا أن هذا يسيء إلى أسس العمل الإنساني ويقوض جهود الإغاثة عالميًا.

وفي تحذير واضح، قال غريفيث إن أي مساعدات تُوزع من طرف واحد في نزاع مسلح تفقد شرعيتها الإنسانية، موضحًا: “لا يمكن أن يُوزع الغذاء في بيئة عسكرية من قبل طرف في النزاع، هذا ليس عملاً إنسانيًا، بل عمل سياسي وموجّه”.

واعتبر أن مؤسسة GHF تسعى لتقويض دور الأمم المتحدة، وهي غير مؤهلة لمراقبة حركة المساعدات أو ضمان وصولها للمحتاجين، مشيرًا إلى أن هذا الإهمال “يشكل تقصيرًا فادحًا في الواجب الإنساني”.

في سياق المقارنة، أشار غريفيث إلى تجربة أوكرانيا، قائلاً إن روسيا تمارس حالياً ضغوطاً مشابهة لمنع دخول المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها، مُضيفًا: “إذا سُمِح لصندوق مثل GHF بأن يكون آلية رسمية للمساعدات في غزة، فسيُستخدم النموذج نفسه في مناطق صراع أخرى، وسيُبرَّر استخدام الحصار والجوع كسلاح مشروع”.

ويضيف: “ما يحدث في غزة لا يبقى في غزة. إنها سابقة عالمية في العمل الإنساني، وعلى المجتمع الدولي أن يتصدى لها”.

غريفيث، الذي قاد جهود الإغاثة الأممية خلال الأشهر الأولى للهجوم الإسرائيلي على غزة، أقرّ بأن الأمم المتحدة تقف عاجزة أمام تعنت إسرائيل، لكنه شدد على أهمية استمرار الضغط السياسي والدبلوماسي لتأمين دخول المساعدات وإنقاذ ما تبقى من أرواح.

ووجه نداءً للمجتمع الدولي قائلاً: “التاريخ لن يرحمنا. سيأتي يوم يسأل فيه أحفادنا: من ارتكب ماذا في أسوأ جريمة في القرن الحادي والعشرين؟”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى