بلومبيرغ: السعودية تتحرك نحو كبح جماح الإمارات إقليميًا

كشفت وكالة بلومبيرغ أن السعودية بدأت تحركات واسعة تهدف إلى إنهاء الدور الإماراتي في اليمن وتقليص نفوذ أبوظبي في ساحات إقليمية أخرى، من بينها البحر الأحمر، في ظل تصاعد التوترات بين القوتين الخليجيتين على خلفية تنافس ممتد على النفوذ الإقليمي.
وبحسب أشخاص مطلعين على التطورات، تسعى الرياض إلى إخضاع جميع الفصائل اليمنية المدعومة من الإمارات لسيطرتها، بعد أن أمرت أبوظبي بسحب قواتها من اليمن، وقصفت شحنة أسلحة قالت إنها كانت تُنقل إلى جماعات انفصالية. وأضافت المصادر أن السعودية تعتبر هذه الخطوات جزءًا من إعادة فرض نفوذها في البلد المنقسم منذ سنوات.
وأوضحت الوكالة أن السعودية والإمارات، العضوين في تحالف «أوبك بلس»، تنافستا لسنوات على النفوذ في اليمن ذي الموقع الاستراتيجي، مشيرة إلى أن تداعيات هذا الخلاف قد تمتد إلى ما هو أبعد من الساحة اليمنية، لتؤثر في جهود احتواء إيران، وضمان استمرار وقف إطلاق النار في غزة، فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على الشركات التي تتخذ من دبي مركزًا لإدارة أعمالها داخل السعودية.
وذكرت المصادر أن عددًا من القادة اليمنيين المرتبطين بالإمارات، بمن فيهم قيادات بارزة في «المجلس الانتقالي الجنوبي»، استُدعوا إلى الرياض لتقديم الولاء، في وقت تسعى فيه هذه الفصائل إلى ترسيخ نفوذها في جنوب اليمن، عند تقاطع ممرات شحن بحرية حيوية.
وفي تطور لافت، قال متحدث عسكري سعودي إن ضابطًا إماراتيًا رفيع المستوى قاد عملية إخراج رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي من مدينة عدن إلى أبوظبي. ولم تصدر حكومة الإمارات أو ممثلو المجلس الانتقالي تعليقًا فوريًا على هذه الاتهامات.
وكان المجلس الانتقالي قد اتهم السعودية، في وقت سابق، بمحاولة اغتيال الزبيدي بعد رفضه أمرًا بالسفر إلى الرياض. وقال المتحدث العسكري السعودي إن الزبيدي مُنح مهلة 48 ساعة للمثول أمام السلطات السعودية، وإن سلاح الجو السعودي استهدف مستودع أسلحة تابعًا له.
وأشارت بلومبيرغ إلى أن هذه التحركات تقوض اتفاقًا استمر أكثر من عقد بين الرياض وأبوظبي لمواجهة الحوثيين المدعومين من إيران، كما كشفت عن توتر متصاعد في العلاقة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد.
وقالت منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، إن التنافس بين البلدين «قديم ومعروف»، لكن الجديد هو خروجه إلى العلن بهذه الحدة، معتبرة أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكّل للنظام الإقليمي.
وأضافت الوكالة أن السعودية تجاهلت حتى الآن محاولات وساطة قادتها دول خليجية أخرى، وتسعى إلى استغلال الأزمة للحد من طموحات الإمارات في مناطق أخرى، مثل القرن الأفريقي والسودان، حيث يدعم الطرفان معسكرين متنافسين في حرب أهلية وصفت بأنها الأسوأ إنسانيًا في العالم.
وبحسب مصادر خليجية، ترى الرياض ودول أخرى في مجلس التعاون أن أبوظبي اتبعت أولويات اقتصادية خاصة بها على حساب التنسيق الجماعي، بما في ذلك تحركات منفردة لعقد اتفاقيات تجارة حرة، من بينها مفاوضات جارية مع الاتحاد الأوروبي، فيما تطالب السعودية بمزيد من التنسيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وأوضحت بلومبيرغ أن الولايات المتحدة تتابع التطورات عن كثب، إذ سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تعزيز علاقاته مع كل من السعودية والإمارات، وزار البلدين خلال الأشهر الأولى من ولايته، وحصل على تعهدات باستثمارات بمليارات الدولارات، ضمن رؤيته لشرق أوسط أكثر استقرارًا قائم على التنمية الاقتصادية والاندماج مع إسرائيل.
وفي هذا السياق، زار مبعوث ترامب الخاص للشؤون العربية مسعد بولس أبوظبي لبحث «الاستقرار الإقليمي»، بحسب وسائل إعلام رسمية إماراتية.
ونقلت الوكالة عن مصادر سعودية اعتقادها بأن أبوظبي وافقت على التقدمات التي حققها المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن ردًا على مناقشة ولي العهد السعودي لدور الإمارات في السودان مع ترامب خلال زيارة إلى البيت الأبيض. إلا أن متحدثًا باسم الحكومة الإماراتية نفى هذه الرواية، واصفًا إياها بأنها «غير دقيقة ومضللة».
وفي السودان، كان خبراء من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة قد اتهموا الإمارات بدعم «قوات الدعم السريع»، المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، بينما تدعم السعودية الجيش السوداني، وهو ما تنفيه أبوظبي.
وأشارت بلومبيرغ إلى أن الخلافات قد تمتد أيضًا إلى أسواق النفط، خاصة مع اقتراب «أوبك بلس» من مراجعة قدرات الإنتاج، في وقت تضغط فيه أسعار النفط المنخفضة على أوضاع التحالف المالية.
ورغم ذلك، قالت الوكالة إن الإمارات أظهرت مؤشرات على خفض التصعيد، إذ سحبت قواتها من اليمن استجابة لطلب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية. وأكد متحدث إماراتي أن بلاده تعاملت مع التطورات «بضبط النفس وبالتنسيق»، مشددًا على التزام أبوظبي بالاستقرار الإقليمي.
ولم تصدر الحكومة السعودية تعليقًا رسميًا على أسئلة بلومبيرغ بشأن تحركاتها في اليمن أو جهودها لتقليص النفوذ الإماراتي.
وأفادت الوكالة بأن ولي العهد السعودي كلّف شقيقه وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان بإدارة الملف اليمني ميدانيًا، حيث التقى القادة اليمنيين المدعومين من الإمارات في الرياض، ووجّه إنذارًا للانفصاليين بمغادرة محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين تعدان ذات أهمية استراتيجية للأمن السعودي.
واختتمت بلومبيرغ تقريرها بالإشارة إلى أن الخبراء يرون أن الإمارات، رغم استعدادها لتخفيف التصعيد، لن تتخلى عن طموحاتها الإقليمية، في ظل ما تعتبره حقًا لها بوصفها «قوة صاعدة»، بينما تصر السعودية على دورها القيادي في المنطقة.















