سنغافورة ستة عقود من النكهة: من عربات الباعة الجائلين إلى مطاعم ميشلان العالمية

في إحدى أمسيات سنغافورة الدافئة والرطبة، وبينما كنت على وشك طلب طبق “ناسي غورينغ” من مركز ماكسويل الشهير للأطعمة، شعرت بشيء من القلق—not الجوع، بل الإدراك المتأخر بأنني نسيت وضع بطاقة الهوية على الطاولة لحجزها، في طقس اجتماعي محلي يُعرف باسم “تشوبينغ”. في سنغافورة، لا تُترك الطاولات للصدفة: يُستخدم منديل، أو بطاقة، أو حتى هاتف ذكي للإشارة إلى أن المكان محجوز، في نظام غير مكتوب، لكنه راسخ مثل أي قانون.
هذا النوع من العادات الدقيقة هو ما يمنح تجربة الطعام في سنغافورة طابعها الفريد، حيث يتحوّل تناول الطعام من مجرّد حاجة إلى طقس ثقافي يومي. ويُعدّ مركز ماكسويل وغيره من مراكز الطعام المنتشرة في أنحاء البلاد، من أبرز رموز هذا الطقس. قاعات طعام حيوية، مصنّفة من قبل اليونسكو ضمن التراث غير المادي، تفوح منها روائح الساتيه والأرز بالدجاج، وتمتلئ بالطوابير التي تمتد من الأكشاك الصغيرة إلى الشوارع، حيث يقف المواطنون جنبًا إلى جنب مع السيّاح لتجربة أطباق سنغافورية أصيلة تُقدَّم أحيانًا من قبل طهاة نالوا جوائز ميشلان.
في أحد هذه الأمثلة، يبرز مطعم لابيرينث، الحاصل على نجمة ميشلان، والذي أعاد تعريف المطبخ السنغافوري من خلال لمسة شخصية عميقة. رئيس الطهاة إل جي هان، استلهم أطباقه من وصفات طفولته وذكريات مطابخ جدته، وهو ما يظهر بوضوح في التصميم الداخلي للمطعم، حيث تزيّن الجدران الأواني القديمة والمقالي التي استخدمتها العائلة لسنوات. أحد أطباقه البارزة، بعنوان “ذكريات مركز نيوتن للطعام”، يُقدَّم على لوح خشبي مستدير يحاكي طاولات الطعام الشعبية، مرفق بتعليمات طباعة حول كيفية التخلص من أدوات المائدة، في لمسة رمزية تربط الرفاهية بالجذور.
واللافت أن لابيرينث ليس المطعم الوحيد الحائز على نجمة ميشلان الذي يختار المناديل الورقية بدل القماش، بل إنه يجعلها جزءًا من التجربة، إذ يقدّمها بعلامته التجارية تكريمًا لعُرف “تشوبينغ”.

خلال العقود الستة منذ استقلال سنغافورة، تحوّل مشهد الطعام في البلاد إلى فسيفساء متنوعة من الأذواق، تقودها شخصيات طهوية مثل هان ومالكولم لي، صاحب مطعم “كاندل نت” الشهير. ويعدّ مطعمه أول مطبخ بيراناكان يحصل على نجمة ميشلان، مقدّمًا مزيجًا متقنًا من النكهات الصينية والماليزية والإندونيسية. فبينما لا تزال مطاعم مثل “نوبو” الفاخر، أو “أوديت” في المتحف الوطني، تستقطب النخبة وتتصدر “إنستغرام”، فإن الإقبال المتزايد على المكونات المحلية والطهاة المحليين يعكس تحوّلًا في هوية الذوق السنغافوري.

ولمحبي الحلويات، تقدم الطاهية جانيس وونغ من خلال “تو آم ديزرت بار” تجربة سكرية متقنة، تتنوع بين تشيز كيك الباسك بنكهة الماتشا المصحوبة بجل يوزو كالامانسي، ورغوة جوز الهند، إلى كعكة الفستق مع آيس كريم الباندان. وتكتمل التجربة باقتراحات مشروبات مُعدّة خصيصًا لكل طبق، مثل كوكتيل “روزيلا” بالكركديه الذي يُناسب تيراميسو مبتكرًا.
الابتكار هنا لا يتوقّف. في محل الآيس كريم “أودرز”، أطلق الثنائي ديفيد وبيك لين علامتهما التجارية احتفاءً بالنكهات المحلية. بين آيس كريم الفانيليا الفرنسية وآخر بنكهات جريئة مثل “كويه سالات” أو فاكهة الدوريان ذات الرائحة القوية، تتنوّع الخيارات لتُلبي الحنين والجرأة في آنٍ واحد. الآيس كريم المصنوع من فاكهة “ماو شان وانغ”، على سبيل المثال، يُخزّن في مُجمّد خاص بعيدًا عن باقي النكهات. ورغم رائحته النفاذة، فإن طعمه يجمع الكراميل واللوز في تجربة فريدة، تُصبح مثالية عند اقترانها ببيرة الدوريان التي تنتجها “1925 بروينغ كو”.

ومع كل هذا التنوع، من السهل الاعتقاد بأن عليك أن تبحث عن النكهات الأصيلة في أماكن بعيدة عن الطرق التقليدية. لكن الحقيقة أن بعض التجارب الأكثر محلية يمكن العثور عليها في الفنادق الفاخرة، مثل فندق “بان باسيفيك”، حيث يُقدم شاي ما بعد الظهيرة بنكهات مستوحاة من أطباق سنغافورية تقليدية، مثل كعكة السلطعون، وفطيرة البطاطا الحلوة بصفار البيض المملح، ومشروب الباندانغ بجوز الهند.
ولعلّ أقوى تعبير عن تطور مشهد الطعام في سنغافورة يظهر في حي غايلانغ، الذي تحوّل من منطقة حمراء إلى واحد من أكثر الوجهات حيوية لعشّاق الطعام. بين مباني آرت ديكو من ثلاثينيات القرن الماضي، تفوح رائحة الدوريان من الأكشاك الممتدة على جانبي الطريق. وفي قلب الحي، يُعد سوق ومركز “لانغ سيراي” وجهة لا تُفوَّت لعشاق المأكولات البحرية، حيث تتجمع حشود لشراء أسماك طازجة من بحر الصين الجنوبي، قبل التوجّه للطابق العلوي حيث تنتظرهم ردهة طعام تقدّم “بيسانغ غورينغ” و”أسام بيداس” وغيرها من الأطباق المحلية الغنية.

في هذه المدينة التي لا تعرف التوقف، بات الطعام وسيلة لفهم الثقافة، والتاريخ، بل وحتى الشخصية الوطنية. سنغافورة لم تبنِ فقط بنية تحتية طهوية حديثة، بل حافظت أيضًا على صلتها بجذور شعبها، لتصبح مثالًا حيًا على كيف يمكن للتقاليد أن تُعيد اختراع نفسها.















