واشنطن تدرس خطة مساعدات جديدة لغزة قد تحل محل “مؤسسة غزة الإنسانية”

كشفت وثيقة اطلعت عليها وكالة رويترز أن الولايات المتحدة تدرس مقترحاً جديداً لإيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، من شأنه أن يحل محل “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة من واشنطن والتي أثارت جدلاً واسعاً في الأشهر الماضية.

وقال مسؤول أمريكي وآخر يعمل في مجال الإغاثة، مطلعان على تفاصيل الخطة، إن المقترح يُعد أحد المفاهيم المطروحة ضمن مجموعة من الخطط التي تبحثها الإدارة الأمريكية، في إطار مساعيها لتوسيع نطاق إيصال المساعدات إلى القطاع الفلسطيني بعد عامين من الحرب.

ويأتي ذلك فيما لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار الهش بين إسرائيل وحركة “حماس” سارياً منذ 13 يوماً، وهو ما سمح بزيادة تدفق المساعدات إلى غزة، في وقتٍ حذر فيه مرصد عالمي للجوع خلال أغسطس/آب من خطر تفشي المجاعة في القطاع.

حزام غزة الإنساني

تقوم الخطة الأمريكية المقترحة على إنشاء ما يسمى بـ”حزام غزة الإنساني”، والذي سيكون “العمود الفقري” للمنظومة الجديدة.

ويتألف هذا الحزام من 12 إلى 16 مركزاً لتوزيع المساعدات، تمتد على طول الخط الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية داخل القطاع، لتخدم المدنيين على جانبي هذا الخط.

ووفقاً للوثيقة، فإن هذه المراكز ستضم أيضاً “مرافق مصالحة طوعية” تتيح للمسلحين التخلي عن أسلحتهم مقابل العفو، كما ستتضمن قواعد عمليات تابعة للقوات التي من المقرر أن تساعد “قوة إرساء الاستقرار الدولية” في عملية نزع السلاح داخل غزة.

وجاء في المقترح أن الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة في القطاع ستُكلَّف باستخدام المنصة التي يديرها “مركز التنسيق المدني العسكري”، لتوزيع السلع والإمدادات الإنسانية من خلال هذه المراكز، على أن تُنظَّم العملية بحيث يتم إيصال جميع المساعدات إلى غزة عبر تلك المراكز خلال 90 يوماً.

وينص المقترح كذلك على أن مركز التنسيق سيُشرف على أمن القوافل باستخدام طائرات مسيّرة لمراقبة الطريق وضمان عدم اعتراض الشاحنات من قبل “حماس”، وهي تهمة سبق أن وجهتها إسرائيل والولايات المتحدة للحركة، بينما نفتها الأخيرة بشكل قاطع.

مخاوف أممية من عسكرة المساعدات

من المتوقع أن تثير هذه الخطة قلق الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية، نظراً لتشابهها الجزئي مع آلية عمل “مؤسسة غزة الإنسانية” التي اعتمدت نموذجاً يقوم على مراكز توزيع آمنة يرافقها عناصر مسلحة لضمان النقل.

ففي مراحل سابقة قبل سريان وقف إطلاق النار، ضغطت إسرائيل والولايات المتحدة على الأمم المتحدة للعمل من خلال المؤسسة المذكورة، غير أن المنظمة الدولية رفضت ذلك، معتبرة أن النموذج المقترح “يُعسْكر العمل الإنساني ويقيد حركة المدنيين”، كما شككت في حياد المؤسسة.

وقال مسؤول كبير في إحدى منظمات الإغاثة الدولية – طلب عدم الكشف عن هويته – إن “وصف مراكز الإغاثة في المقترح الأمريكي مقلق للغاية، لأنها تشبه إلى حد بعيد مواقع مؤسسة غزة الإنسانية الواقعة ضمن مناطق سيطرة القوات الإسرائيلية”.

أما مسؤول أمريكي آخر، فقد أكد أن الخطة تعكس أحد المفاهيم قيد الدراسة داخل الإدارة الأمريكية، مشدداً في الوقت نفسه على أنها ليست المقترح الوحيد المطروح، رافضاً التعليق على احتمالات تطبيقها مستقبلاً.

ورداً على استفسار من رويترز، أحالت القيادة المركزية الأمريكية الصحفيين إلى بيانها الصادر الثلاثاء حول افتتاح “مركز التنسيق المدني العسكري”، المكلف بتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية والأمنية إلى غزة. ولم يصدر تعليق من البيت الأبيض حتى الآن.

وأوضح أحد المسؤولين الإغاثيين المطلعين على المقترح أن الوثيقة ما زالت “سابقَة لأوانها”، ولا تعكس بعدُ قرارات أو سياسات رسمية، مشيراً إلى أنها أقرب إلى “ورقة بيضاء” تتضمن مقترحاً أولياً للنقاش. وأضاف: “في حال اعتماد خطة رسمية مستقبلاً على أساس هذه الوثيقة، فإنها ستمثل نسخة محسَّنة من نموذج مؤسسة غزة الإنسانية”.

استبدال المؤسسة

وتشير الوثيقة إلى أن المراكز الجديدة ستُستخدم كمستودعات آمنة لتوزيع الغذاء والمياه والمواد الطبية، إضافة إلى توفير مرافق لوجستية تسمح بإيصال المساعدات إلى عمق القطاع عبر شاحنات صغيرة في اليوم نفسه. كما ستُخصص بعض المراكز لإعادة تأهيل البنية التحتية للمياه والكهرباء والصرف الصحي والمرافق الطبية والمطابخ والمخابز الجماعية.

وتتضمن الخطة خيارين: إما استيعاب مؤسسة غزة الإنسانية ضمن الهيكل الجديد، أو استبدالها بمنظمات أخرى مثل الصليب الأحمر الإماراتي والمغربي و*”محفظة السامري”*، وهي منظمة إغاثية مسيحية إنجيلية.

وقال ستيفن سنيد، المتحدث باسم “محفظة السامري”، إن منظمته تلقت عرضاً للمشاركة في خطة الحكومة الأمريكية لتقديم المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة، لكنه أوضح أن “التفاصيل لا تزال قيد التطوير”.

وفي المقابل، أكد متحدث باسم “مؤسسة غزة الإنسانية” أن خطط المؤسسة طويلة المدى تقوم على مواصلة عملها طالما استمرت الحاجة لذلك، مشيراً إلى أن لديها تمويلاً كافياً لتسيير عملياتها حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني.

وأضاف أن المؤسسة، المدعومة أمريكياً، أوقفت أنشطتها مؤقتاً بعد آخر عملية توزيع نفذتها قبل 13 يوماً، وقد فككت أحد مراكزها الأربعة لكنها قد تعيد افتتاحه في موقع آخر داخل غزة.

تحفظات أوروبية

وأشار دبلوماسي غربي – فضل عدم ذكر اسمه – إلى أن النقاشات الحالية تشمل دراسة كيفية الاستفادة من البنية التحتية التي أنشأتها مؤسسة غزة الإنسانية، سواء في مواقعها أو المساعدات الموجودة لديها، مع إمكانية تولي منظمات أخرى مسؤولية التوزيع. وأضاف أن العديد من الدول الأوروبية أبدت معارضتها لأي دور مستقبلي للمؤسسة في غزة.

وقال متحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية والجهات المانحة شاركت في الاجتماع الأول لـ”مركز التنسيق المدني العسكري” الذي تقوده الولايات المتحدة، يوم الاثنين الماضي.

وأكد المتحدث أن “المناقشات ما زالت مستمرة”، مضيفاً أن التزام الأمم المتحدة “بزيادة حجم المساعدات وضمان وصولها إلى جميع المحتاجين في غزة ما زال ثابتاً”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى