كبار السياسيين في إيران يدعون إلى إنهاء الحرب وسط مخاوف من انهيار الاقتصاد

دعا اثنان من أبرز المسؤولين السياسيين في إيران إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ ستة أشهر والتركيز على إنقاذ الاقتصاد المتدهور، في مؤشرات علنية على اتساع القلق داخل دوائر الحكم في طهران من أن تتحول الضغوط العسكرية والعقوبات والحصار الاقتصادي إلى تهديد مباشر للاستقرار الداخلي.

ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف تصريحات بدت مختلفة عن الخطاب المتشدد الذي يدفع باتجاه مواصلة التحدي ورفع سقف المطالب في المواجهة مع الولايات المتحدة.

وقال بزشكيان إن الحرب يجب أن تنتهي في مرحلة ما، داعياً إلى البحث عن مخرج يسمح لإيران بإعلان أنها حافظت على قوتها وكرامتها.

وتابع “لا بد أن تنتهي الحرب في مرحلة ما. ومن الأفضل أن نظهر اليوم قوتنا وكرامتنا، وأن نقول للعالم إننا انتصرنا وإننا ننهي الحرب”.

وتكتسب تصريحات الرئيس الإيراني أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت يواصل فيه المتشددون داخل النظام طرح شروط جديدة وصعبة لإنهاء الأزمة، بينها مطالب تتعلق بإدارة حركة الملاحة وإعادة فتح مضيق هرمز، فيما تواصل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع الضغوط الاقتصادية والعسكرية على طهران.

أما قاليباف، الذي يعد أحد أبرز الشخصيات المحافظة داخل النظام، فقد ركز بصورة مباشرة على الأزمة الاقتصادية، محذراً من أن القوة العسكرية لن تكون كافية إذا استمر تدهور الظروف المعيشية.

وقال رئيس البرلمان: “مهما بلغت قوتنا العسكرية، إذا كان شعبنا يعاني، وإذا كانت البلاد تفتقر إلى حركة الأموال والنمو الاقتصادي، فلن نتمكن من تحقيق التقدم”.

وأضاف: “وبصفتي شخصاً عاش تجربة الحرب، فإننا ندرك القيمة الحقيقية للسلام”.

وتكشف هذه التصريحات حجم المأزق الذي تواجهه القيادة الإيرانية، إذ لم تعد تداعيات الحرب تقتصر على الخسائر العسكرية أو التوترات الإقليمية، بل بدأت تضرب الاقتصاد بصورة مباشرة، في بلد كان يعاني أصلاً من أزمة عملة وتضخم وعقوبات طويلة الأمد.

وأدت الحرب والقيود الاقتصادية الجديدة إلى مزيد من التراجع في قيمة العملة الإيرانية، بينما ارتفعت الضغوط على المواطنين نتيجة تراجع القدرة الشرائية وصعوبة تحمل تكاليف الاحتياجات اليومية.

ويخشى سياسيون أكثر ميلاً إلى البراغماتية داخل طهران من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تحويل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة استقرار سياسي واجتماعي.

لكن الطريق إلى اتفاق لا يزال يبدو بعيداً، في ظل انعدام الثقة المتبادل بين طهران وواشنطن وارتفاع سقف المطالب لدى الطرفين.

وكانت مذكرة تفاهم وقعت في يونيو/حزيران بهدف إنهاء الحرب قد انهارت بسبب الخلاف حول مستقبل مضيق هرمز.

وسعت إيران، بحسب الصحيفة، إلى فرض ترتيبات تمنحها دوراً أكبر في إدارة حركة الملاحة، بينما أصرت الولايات المتحدة على ضمان حرية المرور من دون عوائق.

كما تعثرت جولة أخرى من المحادثات في مطلع الشهر الجاري للأسباب نفسها تقريباً، ما عزز القناعة بأن الخلاف لم يعد متعلقاً فقط بوقف العمليات العسكرية، بل بإعادة رسم قواعد النفوذ والسيطرة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وزادت الانتقادات داخل الولايات المتحدة للاتفاقات السابقة من الضغوط على إدارة ترامب لتبني موقف أكثر تشدداً، خصوصاً بعد اتهامات بأن التفاهمات المقترحة قدمت لإيران تنازلات واسعة.

وقال ترامب للصحفيين إن الإيرانيين يريدون بشدة التوصل إلى اتفاق، لكنهم “ليسوا مستعدين بعد لإبرام الاتفاق الصحيح”.

غير أن سياسة الضغط القصوى تضع بدورها القيادة الإيرانية في مأزق. فكلما اشتدت الأزمة الاقتصادية، زادت الحاجة إلى التوصل لتسوية، لكن التراجع تحت الضغط الأميركي قد يمنح المتشددين ذريعة لاتهام الحكومة بالاستسلام أو القبول بشروط مذلة.

ووصف الباحث في الشؤون الإيرانية حميد رضا عزيزي هذا الوضع بأنه “حلقة مفرغة”، إذ يبدو أن واشنطن تراهن على استغلال الأزمة الاقتصادية للحصول على تنازلات أكبر، بينما يجعل ذلك من الصعب على طهران تقديم تنازلات من دون خسارة سياسية داخلية.

ويرى محللون أن تصريحات بزشكيان وقاليباف تمثل رسالة واضحة بأن قطاعات مهمة داخل النظام بدأت تدرك كلفة استمرار الحرب، لكنها لا تعني بالضرورة وجود قرار سياسي قادر على فرض تسوية.

وقال داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لقسم إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إن أياً من الطرفين لا يبدو مستعداً حالياً لتقديم التنازلات المطلوبة لإنهاء الصراع.

وبين دعوات بزشكيان وقاليباف لإنقاذ الاقتصاد، وتشدد القوى الأكثر تطرفاً داخل إيران، واستمرار واشنطن في رفع سقف مطالبها وضغوطها، تبدو احتمالات التصعيد، وفق هذا التقدير، أكثر حضوراً من فرص السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى