واشطن بوست: صفقات مليارية تُحكم قبضة الرياض على صناعة ألعاب الفيديو العالمية

قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن المملكة العربية السعودية باتت لاعبًا مركزيًا في واحدة من أسرع الصناعات نموًا وأكثرها تأثيرًا ثقافيًا في العالم هي صناعة ألعاب الفيديو.
وذكرت الصحيفة أن هذه الصناعة، التي تُقدَّر قيمتها اليوم بما بين 200 و300 مليار دولار سنويًا — أي أكبر من السينما والتلفزيون والموسيقى مجتمعة بحسب بعض التقديرات — تحولت إلى رهان استراتيجي للرياض، التي تستخدم ثقلها المالي لإعادة رسم خريطة الترفيه الرقمي عالميًا.
وبحسب الصحيفة فإن هذا التوجه تجسّد مؤخرًا في الإعلان عن مؤتمر دولي ضخم لألعاب الفيديو، مدعوم من الدولة، تحت اسم «مملكة الألعاب» (Kingdom of Gaming)، والمقرر عقده في الرياض العام المقبل وذلك بهدف تحويل السعودية من مستهلك رئيسي للألعاب إلى مركز عالمي لصناعتها وتمويلها وتنظيمها.
غير أن المؤتمر ليس سوى واجهة لمشروع أوسع وأعمق. ففي سبتمبر الماضي، أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي عن صفقة غير مسبوقة للاستحواذ على شركة إلكترونيك آرتس (EA)، إحدى أكبر ناشري ألعاب الفيديو في العالم، مقابل نحو 55 مليار دولار، بالشراكة مع جهات استثمارية من بينها شركة أسسها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وإذا اكتملت الصفقة مطلع عام 2027 كما هو مخطط، فستكون واحدة من أضخم عمليات الاستحواذ في تاريخ صناعة الألعاب.
ومنذ سنوات، يضخ الصندوق السيادي السعودي مليارات الدولارات في هذا القطاع. ففي عام 2022، استحوذت مجموعة سافي للألعاب (Savvy Games Group) — المملوكة للصندوق ويرأس مجلس إدارتها ولي العهد محمد بن سلمان — على شركتين بارزتين في مجال الرياضات الإلكترونية مقابل 1.5 مليار دولار.
وبحلول نهاية عام 2024، صرّح متحدث باسم المجموعة لصحيفة نيويورك تايمز بأن «سافي» باتت تسيطر على نحو 40% من صناعة الرياضات الإلكترونية عالميًا.
ورأت الصحيفة أن الاستحواذ المحتمل على EA من شأنه أن يعمّق هذه الهيمنة. فالشركة تمتلك امتيازات ضخمة مثل Battlefield، التي باعت نسختها الأخيرة سبعة ملايين نسخة خلال ثلاثة أيام فقط، إلى جانب سلسلة طويلة من ألعاب الرياضة المرخّصة المرتبطة بكرة القدم العالمية وسباقات «فورمولا 1» والفنون القتالية المختلطة. وهي مجالات سبق لصندوق الاستثمارات العامة أن استثمر فيها بكثافة، ما يفتح الباب أمام تكامل اقتصادي وثقافي غير مسبوق.
لكن هذه الطفرة الاستثمارية تثير تساؤلات جدية حول نهج السعودية القائم على «الاستحواذ بأي ثمن»، خصوصًا في وقت تشير فيه تقارير إلى تقليص أو إعادة تقييم مشاريع استراتيجية أخرى داخل المملكة.
فبينما تُضخ عشرات المليارات في الألعاب، شهدت مشاريع عملاقة مثل مدينة «ذا لاين» تقليصًا كبيرًا بعد إنفاق لا يقل عن 50 مليار دولار، كما أن مشروع «القدية» الترفيهي الضخم، الذي يُفترض أن يضم منطقة شاسعة مخصصة للألعاب والرياضات الإلكترونية، لا يزال يتقدم ببطء شديد.
وتندرج هذه الاستثمارات ضمن إطار «رؤية السعودية 2030»، التي تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع، مع تركيز خاص على فئة الشباب.
فوفق تعداد 2022، يشكل من هم دون 35 عامًا نحو 71% من سكان المملكة، وتتباهى «الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية» بوجود أكثر من 23.5 مليون لاعب ومتحمس للألعاب، أي قرابة ثلثي السكان. وولي العهد السعودي نفسه يُعرف بولعه بألعاب مثل Call of Duty وFinal Fantasy.
ويرى محللون أن هذا التوجه ليس اقتصاديًا فقط، بل سياسي أيضًا. إذ يقول كريم زيدان، زميل شؤون الرياضة والأنظمة السلطوية في «مؤسسة حقوق الإنسان» بنيويورك: «هذا شكل من أشكال سياسة الخبز والسيرك. تُسلّينا، ونحن لا نفعل شيئًا لإيقافك عن المضي قدمًا».
غير أن المال وحده لا يضمن النجاح في صناعة شديدة التقلب مثل ألعاب الفيديو. فالصحفي المتخصص ستيفن توتيلو يحذّر من أن هذه الصناعة «قائمة على الضربات الناجحة»، حيث يمكن لاستوديو أن ينهار بالكامل إذا أخفق في إطلاق اللعبة التالية الكبرى، مهما بلغت ميزانياته.
وتجربة السعودية مع استوديو SNK الياباني تقدم مثالًا واضحًا. فرغم حملة تسويق عالمية ضخمة للعبة Fatal Fury: City of the Wolves، شملت الترويج لها في فعالية WrestleMania 41 وإدخال نجم كرة القدم كريستيانو رونالدو كشخصية قابلة للعب، فشلت اللعبة في تحقيق انتشار واسع، واستقال الرئيس التنفيذي للشركة بعد أسابيع من إطلاقها.
وإلى جانب المخاطر الاقتصادية، تواجه السعودية تحديًا أخلاقيًا متزايدًا. فملف حقوق الإنسان، الذي يقول منتقدون إنه ازداد سوءًا في عهد محمد بن سلمان مع ارتفاع الإعدامات وتشديد القبضة الأمنية، يجعل صناعة الألعاب والرياضات الإلكترونية حقل ألغام للشركات والمبدعين.
وقد أشار أحد التنفيذيين في هذا المجال إلى أن التعاون مع السعودية يضع الفرق بين ضغط المستثمرين العالميين وغضب شريحة من الجمهور.
ورغم ذلك، يخلص خبراء إلى أن ما تشتريه السعودية ليس مجرد شركات أو ألعاب، بل نفوذًا ثقافيًا عالميًا. وكما يقول أستاذ اقتصاد الألعاب يوست فان درونن: «صندوق الاستثمارات العامة لا يشتري تدفقات نقدية فقط، بل يشتري علامة تجارية وانتشارًا وتأثيرًا ثقافيًا».















