ميدل إيست آي : الأردن يؤجج “أزمة داخلية” بقمعه لأي تضامن مع غزة

في وقت تتصاعد فيه حدة الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة وتتعالى أصوات الغضب في العالم العربي، يبدو أن السلطات الأردنية اختارت مواجهة الاحتجاجات الشعبية بالقمع والاعتقال، ما أثار موجة من الانتقادات الحادة ومخاوف من تصعيد داخلي.
بحسب مصادر تحدثت لموقع “ميدل إيست آي”، فإن المملكة الأردنية الهاشمية تُغذي، عن غير قصد، أزمة داخلية عبر قمعها المتواصل للنشطاء الذين يعبّرون عن تضامنهم مع أهالي غزة الذين يواجهون حرب إبادة جماعية.
وذكرت المصادر أن الوضع بات قابلاً للانفجار نتيجة حملة اعتقالات طالت نشطاء سياسيين وحقوقيين، بالإضافة إلى قادة أحزاب وشخصيات بارزة في المجتمع المدني.
تصاعد القمع وسط حرب الإبادة في غزة
تأتي هذه الحملة الأمنية في سياق إقليمي بالغ الخطورة، حيث تشن إسرائيل، منذ أكتوبر/تشرين الأول، حربًا وصفت بأنها حملة إبادة جماعية ضد سكان غزة، تُستخدم فيها المجاعة كأداة حرب، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال.
ورغم حالة الغضب الشعبي الواسع، اختارت السلطات الأردنية ملاحقة الأصوات الداعمة لغزة بدلاً من تبني موقف سياسي أكثر صرامة تجاه الانتهاكات الإسرائيلية.
في هذا السياق، اعتقلت السلطات، الأربعاء الماضي، الناشط البارز أيمن عبالي، بعد نشره مقطع فيديو يُدين فيه صمت الحكومة الأردنية إزاء المجاعة التي تفتك بغزة.
مصادر تحدثت للموقع أشارت إلى تصاعد الانتقادات الموجهة إلى جهاز المخابرات العامة الأردنية، خاصة بعد وفاة شاب أردني أثناء احتجازه لدى الشرطة.
وفاة مشبوهة تُشعل الرمثا
التوترات الأمنية تصاعدت إثر وفاة الشاب أحمد الإبراهيم خلال وجوده في مركز شرطة الرمثا، قرب الحدود السورية. حيث أفادت أسرته بأنه تعرض لاعتداء جسدي عنيف، ونُقل إلى المستشفى عدة مرات قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بإصاباته.
وفاته أثارت احتجاجات عنيفة في مدينة الرمثا، حيث أظهرت مقاطع مصورة متظاهرين يقطعون الطرقات ويشعلون الإطارات، مطالبين بتحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين.
وفي اليوم نفسه، اعتقلت قوات الأمن النائب ينال فريحات، عن حزب جبهة العمل الإسلامي، بسبب منشور انتقد فيه موقف الحكومة من جماعة الإخوان المسلمين.
واعتُقل كذلك المتحدث باسم الجماعة، معاذ الخوالدة، قبل أن يُطلق سراحه لاحقًا.
محلل سياسي أردني صرّح للموقع، مفضلاً عدم الكشف عن هويته: “السلطات الأمنية تُؤجج أزمة داخلية في وقت يتطلب فيه الوضع الإقليمي أعلى درجات التماسك الداخلي”.
وتابع: “الأردن يواجه تحديات استراتيجية غير مسبوقة، أهمها خطر تصعيد أمني واسع في سوريا المجاورة، وخطر تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأراضي الأردنية، ما قد يُخل بالتركيبة السكانية”.
تطورات سوريا تثير القلق
تشهد محافظة السويداء السورية اضطرابات طائفية متصاعدة، مع توارد أنباء عن دعم إسرائيلي غير مباشر للفصائل المسلحة، وسط فراغ أمني خلفته الدولة السورية.
بحسب المصادر، تحاول إسرائيل استغلال هذه الفوضى لإضعاف النفوذ الإيراني والسوري في الجنوب، مما قد ينعكس سلبًا على أمن الحدود الأردنية.
يُذكر أن إسرائيل نفذت مؤخرًا سلسلة غارات استهدفت مواقع عسكرية في سوريا، في وقت تتعزز فيه التوترات الطائفية داخل السويداء.
في هذا السياق، قال أحد المصادر إن الأجهزة الأمنية الأردنية تركز على قمع المجتمع المدني والتضامن مع غزة، بينما “تغض الطرف عن التهديدات الإسرائيلية الحقيقية في الجوار”.
اعتقالات مقابل مساعدات؟
زعمت تقارير إعلامية معارضة أن حملة الاعتقالات الأخيرة ضد نشطاء الإخوان المسلمين وغيرهم جاءت في سياق محاولة لكسب رضا دول إقليمية كالسعودية والإمارات، والحصول على مساعدات مالية.
من أبرز المعتقلين، أحمد الزرقان، رئيس بلدية الطفيلة الأسبق ونائب المشرف العام على جماعة الإخوان المسلمين. اعتُقل أواخر أبريل/نيسان، ولم يُقدَّم للمحاكمة أو يُسمح له بالتواصل مع محاميه أو عائلته حتى الآن.
احتجاجات في الطفيلة طالبت بالإفراج عنه، خاصة في ظل تقدمه في السن (72 عامًا) وتدهور حالته الصحية.
غضب شعبي ضد التطبيع والعلاقات مع إسرائيل
تتعاظم مشاعر الغضب الشعبي في الأردن بالتوازي مع حرب الإبادة الجارية في غزة، حيث يواجه الأردن انتقادات حادة بسبب إبقائه على علاقات دبلوماسية وأمنية وثيقة مع إسرائيل.
وتعد اتفاقية السلام الموقعة عام 1994 بين البلدين محور الاحتجاجات، إذ يرى المحتجون أن استمرار التعاون مع إسرائيل في ظل المجازر في غزة يمثل تواطؤًا غير مباشر.
وتظاهر آلاف الأردنيين رفضًا للتطبيع، مطالبين الحكومة بقطع العلاقات مع تل أبيب وسحب السفير الأردني، ووقف التنسيق الأمني.
للأردن علاقة تاريخية مع الضفة الغربية، التي ضمها عام 1950 قبل أن يخسرها لصالح إسرائيل في حرب 1967. ومنح الأردنيون الجنسية لسكان الضفة، واحتفظ الأردن بموقفه المعلن أن الضم كان مؤقتًا إلى حين حل القضية الفلسطينية.
لكن التطورات الأخيرة في غزة والضفة، بما في ذلك ازدياد وتيرة الاستيطان والقتل، جعلت الشارع الأردني أكثر رفضًا لأي شكل من أشكال العلاقة مع إسرائيل.
نحو تهدئة داخلية ضرورية
مع تنامي الغضب الشعبي واحتدام التوترات الإقليمية، يبدو أن الأردن يقف عند مفترق طرق. وبينما تحتاج البلاد إلى وحدة داخلية لمواجهة الأخطار الخارجية، فإن القمع الأمني قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
ختامًا، يرى مراقبون أن السبيل الوحيد لتفادي أزمة داخلية شاملة هو احترام الحق في التعبير والتظاهر، والابتعاد عن استهداف من يُعبرون عن تضامنهم مع غزة في مواجهة جرائم الحرب المستمرة.















