دعوى أمريكية تكشف تورّط شبكة مرتزقة لتنفيذ اغتيالات بتمويل إماراتي

كشفت وثائق قضائية أمريكية حديثة تفاصيل صادمة عن برنامج اغتيالات سري في اليمن، تقوده شبكة من المتعاقدين العسكريين السابقين بتمويل مباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة، في ما يسلّط الضوء على جانب خطير من سياسات أبوظبي الأمنية خارج حدودها.
ونقلت صحيفة New York Post الأمريكية في تحقيق موسّع أن المرتزق أبراهام غولان، بالتعاون مع إسحاق غيلمور، وهو عنصر سابق في القوات الخاصة البحرية الأمريكية، أسّسا عام 2015 شركة Spear Operations Group في مدينة سان دييغو، قبل أن يدخلا في اتفاق مع الإمارات لتنفيذ برنامج اغتيالات مقابل 1.5 مليون دولار شهريًا، إضافة إلى مكافآت عن كل عملية تصفية ناجحة.
وتُظهر الوثائق أن هذا الاتفاق جاء نتيجة ترتيبات مباشرة داخل قاعدة عسكرية إماراتية في أبوظبي، بحضور محمد دحلان، القيادي الأمني السابق في السلطة الفلسطينية والمستشار المقرب من رئيس الإمارات محمد بن زايد، ما يعكس مستوى التنسيق الرسمي في هذا الملف.
وتورد الدعوى القضائية أن غولان أقرّ بإدارته برنامج “اغتيالات مستهدفة” في اليمن، مؤكدًا أن العمليات نُفذت بموافقة الإمارات وضمن مظلة التحالف العسكري، في اعتراف يعزز الاتهامات بأن أبوظبي لم تكتفِ بالدور العسكري التقليدي، بل انتقلت إلى إدارة عمليات تصفية سياسية عبر شركات خاصة.
وتبيّن المعطيات أن الفريق جند عناصر سابقين من الجيش الأمريكي، أبرزهم ديل كومستوك، الذي تولّى قيادة فريق العمليات مقابل 40 ألف دولار شهريًا، في نموذج يعكس تحويل الخبرات العسكرية الغربية إلى أدوات في صراعات إقليمية تُدار خارج الأطر القانونية.
وتوضح الوقائع أن الفريق وصل إلى اليمن نهاية عام 2015، بعد تجهيزات شملت أسلحة متطورة ومواد متفجرة، حيث كان الهدف الأول هو أنصاف علي مايو، عضو البرلمان اليمني وأحد قيادات حزب الإصلاح، الذي تصنفه الإمارات ضمن خصومها السياسيين.
وتكشف تفاصيل الدعوى أن الخطة اعتمدت على تفجير مقر حزب الإصلاح في مدينة عدن، يتبعها اقتحام الموقع وتصفية الناجين، في عملية تحمل بصمات فرق الاغتيالات المنظمة. وقد وثّقت طائرة مسيّرة لحظة تنفيذ الهجوم، الذي شمل تفجير عبوة ناسفة وسيارة مفخخة، ما أدى إلى دمار واسع في المبنى المستهدف.
وقد نجا مايو من العملية بعد تلقيه تحذيرًا قبل دقائق من الانفجار، إلا أن الحادث أجبره على مغادرة اليمن، حيث يعيش حاليًا في السعودية، فيما تشير أوراق القضية إلى معاناته من آثار نفسية عميقة نتيجة محاولة اغتياله، في وقت يسعى فيه للحصول على تعويضات مالية وأمر قضائي يمنع استهدافه مجددًا.
وتكشف الوثائق كذلك أن غولان كان يدير هذه العمليات من مقر إقامته الفاخر في سان دييغو، في صورة تعكس حجم الأموال المتدفقة في هذا البرنامج، والذي حوّل عمليات القتل إلى نشاط منظّم يُدار بعقلية الشركات الخاصة.
وتؤكد الدعوى أن نشاط Spear Operations Group لم يتوقف عند محاولة اغتيال مايو، بل استمر في تنفيذ عمليات أخرى استهدفت شخصيات سياسية في اليمن، ضمن حملة تصفية ممنهجة، ما يطرح تساؤلات حول عدد الضحايا الذين سقطوا في إطار هذا البرنامج السري.
وتعزز هذه الاتهامات ما خلص إليه خبراء تابعون للأمم المتحدة، الذين أشاروا إلى وجود “أسباب معقولة” للاعتقاد بمسؤولية الإمارات عن سلسلة اغتيالات جرى التحقيق فيها في مدينة عدن، في مؤشر على أن القضية تتجاوز واقعة فردية إلى نمط متكرر من العمليات.
وتربط الوثائق هذه السياسة بثلاثة دوافع رئيسية، أولها مواجهة النفوذ الإيراني في اليمن، وثانيها تأمين المصالح الاقتصادية في الممرات البحرية الاستراتيجية، وثالثها استهداف قوى سياسية معارضة، وعلى رأسها حزب الإصلاح، ما يكشف أن برنامج الاغتيالات كان جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل المشهد السياسي في البلاد.
وبحسب الصحيفة تعكس هذه القضية، انتقال الإمارات من دور عسكري تقليدي إلى إدارة “حروب ظل” تعتمد على المرتزقة، في محاولة لتحقيق أهدافها دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة أو المساءلة القانونية، وهو ما يضع سياساتها تحت مجهر انتقادات متزايدة بشأن انتهاك القانون الدولي وتغذية الصراعات الإقليمية بدل احتوائها.















