بعد 35 عامًا من الوحدة.. اليمن أكثر انقسامًا من أي وقت مضى

في 22 مايو/أيار 1990، توحد اليمن في لحظة بدت تاريخية بين شطريه الشمالي، الذي ورث إرث العثمانيين، والجنوبي الذي خضع للاستعمار البريطاني. لكن بعد 35 عامًا، لم يعد اليمن موحدًا إلا بالاسم، إذ أصبح بلدًا تتنازعه سلطات أمر واقع، وقوى انفصالية، وحرب مستمرة أنهكت المجتمع والدولة.
في عام 2014، اجتاح الحوثيون العاصمة صنعاء قادمين من معقلهم في صعدة شمال البلاد، مطيحين بالحكومة المعترف بها دوليًا. وبدعم إيراني، فرضت الجماعة سيطرتها على معظم مناطق الشمال، حيث يعيش أكثر من نصف السكان. ورغم تدخل التحالف بقيادة السعودية واستعادة بعض المناطق، ظل الحوثيون القوة العسكرية والسياسية الأبرز في الشمال، معززين سلطتهم، بينما تراجعت سلطة الحكومة في الجنوب.
لكن الانقسام في اليمن لم يعد يُختزل بصراع الحوثيين مع الحكومة، بل امتد إلى داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه. فقد أُنشئ “المجلس الرئاسي القيادي” عام 2022 كهيئة تنفيذية تضم ثمانية أعضاء، لقيادة جبهة موحدة ضد الحوثيين. إلا أن هذا المجلس فشل في أداء دوره فعليًا، وتحول إلى ساحة صراع على النفوذ بين أعضائه، لا سيما في ظل غياب إطار قانوني ينظم العلاقات داخل المجلس وصلاحيات أعضائه.
في مطلع الشهر الحالي، استقال رئيس الوزراء أحمد بن مبارك، مبررًا قراره بتعثر الإصلاحات الضرورية داخل الدولة. هذه الاستقالة سلطت الضوء على عمق التحديات داخل الحكومة اليمنية، التي عجزت عن تقديم أي تحسن ملموس في الأداء الإداري أو الخدمات الأساسية، خصوصًا في عدن، العاصمة المؤقتة، التي تعاني من انقطاعات حادة للكهرباء وتدهور مستمر في مستوى المعيشة.
في ظل هذا الواقع، أصبح المجلس الرئاسي منصة لتقاسم النفوذ العسكري أكثر منه مؤسسة حكم فعّالة. وقد ساد الغموض بشأن صلاحيات الأعضاء، وانتشرت تقارير عن فساد وتجاوزات من قبل قوات تابعة لجهات داخل المجلس، ما أضعف الثقة بالحكومة وأجهزتها.
الفراغ المؤسسي انعكس أيضًا على أداء مؤسسات الدولة، التي فشلت في عقد اجتماعات منتظمة أو تقديم حلول للأزمات اليومية، في وقتٍ تتزايد فيه احتجاجات الشارع في عدن ومناطق أخرى تطالب بتحسين الخدمات الأساسية ووقف تدهور العملة.
أما المجلس الانتقالي الجنوبي، أحد مكونات المجلس الرئاسي، فهو لا يخفي طموحه باستعادة دولة الجنوب السابقة، ويُسيطر فعليًا على مناطق واسعة في عدن ومحافظات مجاورة. ويحظى بثلاثة مقاعد من أصل ثمانية في المجلس، ما يعكس عمق الانقسام داخل الجبهة المناهضة للحوثيين نفسها.
على الجانب الآخر، يواصل الحوثيون تعزيز سلطتهم، ويستخدمون النزاع في غزة منصة لتوسيع حضورهم الإقليمي، عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة تجاه البحر الأحمر، بدعوى استهداف مصالح إسرائيلية. هذه التحركات زادت من تعقيد المشهد اليمني، ودفعت الولايات المتحدة وإسرائيل لتكثيف الضربات الجوية على مواقع في الحديدة ومناطق أخرى، ما فاقم معاناة السكان وعرّض المساعدات الإنسانية للخطر.
المدنيون هم الضحايا الأبرز لهذا التشرذم. فالمساعدات الدولية تتناقص وسط أزمات إقليمية متزاحمة في غزة والسودان. وفي فبراير الماضي، أطلقت منظمة الصحة العالمية نداء استغاثة لتوفير نحو 58 مليون دولار، لتلبية الحاجات الصحية لأكثر من 10 ملايين يمني. لكن الاستجابة الدولية كانت ضعيفة، في وقت يتدهور فيه القطاع الصحي، وتغيب فيه أي مؤشرات على حلول سياسية قريبة.
إضافة إلى ذلك، يُستبعد صوت الحكومة اليمنية من المساعي الدولية والإقليمية للتوصل إلى تسوية. فسواء في المبادرة السعودية عام 2023، أو في الاتصالات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن الاتفاق النووي، لم تكن الحكومة طرفًا مؤثرًا في الحوار، ما يعكس واقعًا دبلوماسيًا هامشيًا يعمق عزلتها ويضعف شرعيتها.
في المجمل، لم تكن الوحدة اليمنية نهايةً لماضٍ من الانقسام، بل بداية مسار طويل من الأزمات والانهيار. وبينما تتحرك القوى المحلية والإقليمية ضمن حسابات النفوذ، يظل المواطن اليمني محاصرًا بين الفقر، والانهيار الخدماتي، وانعدام الأفق، في وطن بات مقسمًا سياسيًا، منقسمًا اجتماعيًا، وممزقًا إنسانيًا أكثر من أي وقت مضى.















