تبادل اتهامات سياسية وسط غضب شعبي لبناني إثر مقتل 15 بانهيار مبنيين في طرابلس

خيم الغضب والحزن على مدينة طرابلس شمال لبنان، عقب انهيار مبنيين سكنيين متلاصقين في منطقة باب التبانة، يضمان 12 شقة بارتفاع ثلاثة طوابق لكل منهما، ما أسفر عن مقتل 15 شخصاً، بينهم عائلات بأكملها، وإصابة 8 آخرين جرى انتشالهم بعد عمليات بحث شاقة استمرت لساعات.
وعلى وقع الكارثة، أُخلي مبنى «جوهر» المجاور خشية انهياره، فيما وردت بلاغات عن مبانٍ أخرى مهددة بالسقوط في باب التبانة ومنطقة القلمون، ما عمّق حالة الذعر بين سكان الأحياء الفقيرة، حيث تنتشر الأبنية المتصدعة دون بدائل سكنية أو إمكانات مالية لترميمها.
ويعيش آلاف السكان في طرابلس بين خيارين قاسيين: إما مغادرة منازلهم والتحول إلى نازحين داخل مدينتهم، أو البقاء والمجازفة بحياتهم، في ظل غياب التمويل الحكومي اللازم لمعالجة هذا الملف المتراكم منذ سنوات.
لحظات الانهيار
قبيل غروب شمس الأحد، شعر سكان المبنى في باب التبانة باهتزازات عنيفة، ولم تسعفهم الدقائق القليلة لمغادرته، قبل أن ينهار بالكامل فوق قاطنيه، فيما أدى تضرر الأساسات إلى انهيار المبنى الملاصق أيضاً. وساعد خلوّ بعض الشقق من السكان في تقليص عدد الضحايا، فيما أنهت فرق الإنقاذ عمليات البحث خلال أقل من 24 ساعة بمشاركة فرق من عدة مناطق.
وقال الدكتور محمود صيداوي لـ«الشرق الأوسط» إن جده شيّد أحد المبنيين قبل نحو 60 عاماً، وإنه عاش فيه أكثر من 26 سنة. وأوضح أن المبنيين كانا متلاصقين إلى حد الانتقال من سطح إلى آخر. وفقد صيداوي في الحادث عمه وابنة عمه، فيما نجا بعض أفراد العائلة بمحض الصدفة. وأشار إلى أن المبنى تضرر سابقاً خلال معارك باب التبانة – جبل محسن، نتيجة القذائف والرصاص، مؤكداً أن معظم عمارات شارع سوريا تعاني تصدعات خطيرة وتحتاج إلى هدم وإعادة بناء.
مئات المباني المهددة
وتُعد هذه الحادثة الثانية خلال أسبوعين في طرابلس، حيث بات انهيار الأبنية يشكل خطراً يومياً، وسط تقديرات بوجود مئات المباني الآيلة للسقوط دون قدرة فعلية على إيواء سكانها.
وبينما تتقاذف الجهات الرسمية المسؤوليات، تعجز البلدية عن مواكبة حجم الأزمة بسبب نقص الإمكانات والكوادر الهندسية.
وخلال عمليات البحث عن ناجين، خرج مئات الأهالي في احتجاجات غاضبة، توجهوا إلى منازل ومكاتب نواب المدينة، محمّلين إياهم مسؤولية الإهمال، ما استدعى تدخّل فوج المغاوير في الجيش اللبناني لضبط الوضع.
وقال رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة إن 105 مبانٍ في المدينة آيلة للسقوط بالكامل وتحتاج إلى هدم، فيما يوجد نحو 620 مبنى مهدداً يمكن تدعيمه.
وأوضح أن المبنيين المنهارين لم يكونا ضمن المباني الممسوحة أو المبلّغ عنها سابقاً. وأضاف أن البلدية تلقت خلال أسبوعين أكثر من 600 بلاغ، ولم تتمكن فرقها من الكشف إلا على 104 مبانٍ حتى الآن، مؤكداً أن طرابلس بحاجة إلى ورشة وطنية شاملة لمسح الأبنية ومعالجة الخطر الداهم.
وأشار كريمة إلى أنه وضع استقالة المجلس البلدي في تصرف وزير الداخلية، معتبراً أن الأزمة تجاوزت قدرات البلدية، وأن الهدف هو دفع الحكومة لتحمّل مسؤولياتها الكاملة.
تحرك حكومي وتجاذب سياسي
إثر الكارثة، دعا رئيس الحكومة نواف سلام إلى اجتماع عاجل مع وزيري الداخلية والعدل، ووجّههما إلى طرابلس للإشراف على التنسيق الميداني، كما ترأس اجتماعاً موسعاً في السراي الحكومي لبحث ملف الأبنية المتصدعة.
في المقابل، فجّرت الحادثة سجالاً سياسياً حاداً. فقد حمّل النائب فيصل كرامي الحكومة مسؤولية ما جرى، معتبراً أن الإهمال المتراكم أدى إلى سقوط الضحايا، وداعياً إلى إجراءات فورية أو الاستقالة.
بدوره، طالب رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي باستكمال الإجراءات التي أُطلقت في الحكومات السابقة، ولا سيما إلزام أصحاب الأبنية بترميمها، أو تدخل الدولة لتأمين التمويل اللازم.
ورد رئيس الحكومة نواف سلام داعياً السياسيين إلى عدم استغلال الكارثة لتحقيق مكاسب آنية، واصفاً ذلك بـ«المعيب»، مؤكداً أن حكومته لن تتهرب من المسؤولية، وأن المحاسبة ستشمل كل من يثبت تقصيره.
وتعكس هذه المأساة عمق الأزمة في مدينة أنهكها الإهمال والفقر والصراعات، وباتت بحاجة إلى خطة إنقاذ شاملة قبل أن تتحول الأبنية المتصدعة إلى مقابر جديدة.
يترأس رئيس #مجلس_الوزراء الدكتور #نواف_سلام في هذه الأثناء في السراي الكبير اجتماعًا موسعاً لمتابعة تنفيذ الإجراءات اللازمة للتصدّي لقضية الأبنية المتصدّعة في طرابلس، بحضور وزير الداخلية أحمد الحجار، وزير العدل عادل نصّار، وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، النائب العام… pic.twitter.com/QQGA5FHa8z
— رئاسة مجلس الوزراء 🇱🇧 (@grandserail) February 9, 2026















