تقرير: الخليج وأمريكا.. قلقٌ وعتاب والسبب أوكرانيا

لا تزال الأزمة الأوكرانية تلقي بظلالها على كثير من دول العالم، خاصة فيما يتعلق بطريقة تعامل الولايات المتحدة مع الغزو الروسي وانعكاسات ذلك على كثير من الدول التي رهنت نفسها للحماية الأمريكية ودفعت مقابل ذلك مواقف سياسية وإجراءات دبلوماسية وأموالًا طائلة.
تلك الدول بدأ ينتابها القلق من السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا، وكنموذج على ذلك، وضعت دول الخليج نفسها أمام سيناريو مشابه لما تتعرض له أوكرانيا اليوم وما يمكن أن تؤول إليه الأمور فيما لو سلكت الإدارة الأمريكية نفس النهج.
سيما وأن أوكرانيا اعتمدت كثيرًا على وعود الحماية والضمانات الأمريكية في تصرفاتها التي تغضب جارتها الكبيرة روسيا مثل تخليها عن قوتها النووية والاعتماد على قوة ووعود الولايات المتحدة والناتو، وها هي اليوم تقف وحيدة تواجه مصيرها المحتوم وتستجدي الحماية والدعم.
الحماية الأمريكية لممالك الخليج
في ستينيات القرن الماضي عندما انسحبت بريطانيا من منطقة الخليج العربي عام 1968، نتيجة أزمة اقتصادية عصفت بها، وجدت دول الخليج نفسها متروكة بلا حماية وعرضة لأطماع دول كبرى في المنطقة، عندها اتجهت نحو الولايات المتحدة بُغية التحالف معها من أجل ضمان حماية أمنها القومي.
وقد عززت الولايات المتحدة تواجدها في منطقة الخليج عقب غزو العراق عام 1990، حيث أنشأت قواعد عسكرية في البحرين وقطر والسعودية.
ودفعت بعدد كبير من الجنود الأمريكيين للتواجد في تلك المنطقة، وبذلك رهنت دول الخليج نفسها مرة أخرى للحماية الأمريكية وحصلت على ضمانات بذلك.
وقد دفعت دول الخليج للولايات المتحدة أموالًا طائلة وأصدرت مواقف سياسية مبالغة في التبعية، مقابل الحصول على ضمانات بحمايتها من التهديدات التي تحيط بها سيما التهديد الإيراني.
وقد كانت مقولة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب خلال زيارته التاريخية للسعودية في شهر مايو/ أيار 2017: “ادفعوا لكي نحميكم”، من أكثر الشواهد إهانة ووضوحًا.
وقد دفعت السعودية آنذاك 460 مليار دولار، وأبرمت صفقات مجحفة غير مسبوقة في مجالات النفط والغاز والتسلح.
وقد وجدت دول الخليج نفسها نتيجة لذلك تتقاطع استراتيجيًا مع إسرائيل أكثر من تقاطعها مع محيطها العربي والإسلامي في الإقليم، وهو ما نفذته مؤخرًا فعليًا وتطبيقيًا في اتفاقيات التطبيع المتتالية المسماة “اتفاقيات أبراهام”.
وقد بنت هذه الدول الخاضعة لحلف الولايات المتحدة مشاريعها ومستقبلها في تمني وتأمل ضمانات الحماية، لكنها دائمًا تصطدم بعدة مواقف تثير الشكوك تجاه جدية أمريكا في وعودها.
لعل أبرزها تنصل الأخيرة من صفقة بيع طائرات F35 (الشبح) للإمارات استجابة لمطالب إسرائيل التي تريد الحفاظ على تفوقها النوعي في المنطقة.
وكذلك عدم تدخل أمريكا في التصدي لهجوم الحوثيين على منشأة بقيق لمعالجة النفط التابعة لشركة “أرامكو” بالسعودية، وقد رفض حينها ترامب التعليق على الأمر.
وأيضًا هجوم الحوثيين على مطار أبو ظبي بالطائرات المسيرة والذي رفض التعليق عليه الرئيس الحالي جو بايدن.
إضافة إلى موقف أمريكا تجاه قضية مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي الذي أثار انزعاج السعودية حينها.
ومؤخرًا جاءت الأزمة الأوكرانية لتزيد من مخاوف دول الخليج حول مدى التزام الولايات المتحدة بوعودها التي قطعتها لحلفائها في المنطقة بحمايتها الحقيقية من أي تهديد خارجي.
وما يعزز هذه المخاوف هو أن الولايات المتحدة أعطت أوكرانيا الضمانات نفسها عام 1994 ووعدتها بالحماية من روسيا مقابل نزع أسلحتها النووية، لكنها اليوم وقفت لوحدها تواجه مصيرها أمام الغزو الروسي، في حين اكتفت الولايات المتحدة بإرسال مساعدات عسكرية وأمنية وفرض عقوبات على روسيا دون التدخل بشكل مباشر في الأزمة.
ويبدو أن الولايات المتحدة هنا قد تعلمت الدرس جيدًا من حروبها واحتلالاتها السابقة في العراق وأفغانستان.
إضافة إلى ذلك -وهو الأشد تأثيرًا- تبدل طريقة حوار الولايات المتحدة مع أعدائها التقليديين إيران والصين بشكل كبير، وخصوصًا إيران، حيث أعلنت الإدارة الأمريكية نيتها إزالة “الحرس الثوري” الإيراني من قائمة الإرهاب، وعزمها إلغاء جملة من العقوبات المفروضة على إيران، وقبل ذلك كله العودة لإحياء الاتفاق النووي من جديد، وهو ما أثار حفيظة دول الخليج بشكل كبير إضافة إلى إسرائيل.
خطوات خليجية
على الرغم من محاولة واشنطن تقديم التزامات أمنية صريحة للعديد من شركائها في الشرق الأوسط، بما فيها السعودية والإمارات وقطر ومصر وإسرائيل، تعبيرًا عن التزامها بضماناتها الأمنية في هذه الفترة، إلا أن الدول الخليجية باتت تشكك في التزام الولايات المتحدة بوعودها، ويبدو أنها باتت مذعورة من اعتمادها على الولايات المتحدة كضامن نهائي للأمن، وقد بدأت تحاول تنويع خياراتها وأدواتها.
وفي هذا السياق، بدأت تلك الدول بإرسال إشارات انزعاج وغضب من سياسة الولايات المتحدة، عبر إبرام بعض الصفقات الغير استراتيجية مع جهات خارج الحلف الأمريكي، فقد أعلنت الإمارات عن شراء 12 طائرة تدريب مقاتلة صينية من طراز “إل-15″، أيضا االتنسيق مع الصين لبناء منشأة عسكرية في ميناء شمال العاصمة الإماراتية.
ومن جهتها رفضت السعودية طلبات الإدارة الأمريكية لزيادة إنتاج النفط للمساعدة في تخفيف الارتفاع الحاد في الأسعار العالمية نتيجة الأزمة الأوكرانية.
وأكدت التزامها بالحصص الإنتاجية ضمن تحالف “أوبك بلاس” النفطي بقيادة موسكو والرياض، وشدّد وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي على التزام بلاده بحصص إنتاج التحالف.
ولم تكتفِ دول الخليج بخطواتها المتعلقة بالجانب العسكري والدفاعي آنفة الذكر، بل إنها اتخذت خطوات تتعلق بالجانب الدبلوماسي أيضًا.
فتعقيبًا على الغزو الروسي لأوكرانيا لم تندد أي دولة في الخليج بشكل واضح سوى الكويت، وبعد رفض الإمارات إدانة روسيا في مجلس الأمن الدولي، لم تقُم دول الخليج سوى بتوجيه اللوم إلى موسكو في تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني من آذار/ مارس.
ماكينزي في المنطقة
ويبدو أن هذا القلق الخليجي قد وصل صداه إلى الولايات المتحدة، حيث سارع قائد المنطقة المركزية بالجيش الأمريكي الجنرال كينث ماكينزي إلى زيارة الخليج وإسرائيل من أجل طمأنة دول المنطقة بأن أمريكا لازالت موجودة وستواصل دعم حلفائها وشركائها.
وقال ماكينزي في مقابلة مع القناة 13 العبرية: “وجودي هنا في الأيام الماضية تخلله محادثات مع دول المنطقة، وعدناهم فيها بأننا سنواصل تواجدنا في هذه المنطقة فنحن نخطط للبقاء هنا بقوة وعزيمة وسنواصل دعم حلفائنا وشركائنا”.
أمام ما تقدم، هل يمكن أن تُقرأ خطوات الخليج إزاء الأزمة الأوكرانية على أنها تصعيد ضد حليفتها الاستراتيجية وراعية الحماية الولايات المتحدة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه تعبيرًا عن العتب على أمريكا التي كان يأمل حلفاؤها بتدخل أفضل يوازي وعودها وضماناتها، وما الذي ستكشفه الأيام من مفاجآت وتبدل في موقف واشنطن بخصوص المحافظة على هيمنتها في العالم ومراعاة مصالح أتباعها وحلفائها، وما سيكون لذلك من تبعات.
المصدر: عكا للشؤون الإسرائيلية















