ليبيا: اغتيال الككلي يفجر اشتباكات مسلحة ويعيد خريطة النفوذ إلى الواجهة

شهدت العاصمة الليبية طرابلس، الأسبوع الماضي، تصعيدًا خطيرًا أعاد مشهد الفوضى الأمنية إلى الواجهة، عقب اغتيال أحد أبرز قادة الفصائل المسلحة، عبد الغني الككلي المعروف بـ”غنيوة”.
هذا الحدث المفصلي أطلق موجة من الاشتباكات العنيفة استمرت ثلاثة أيام، وأعاد تسليط الضوء على عمق الأزمة الليبية المستمرة منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011.
في بلد تتقاسم السلطة فيه حكومتان متنافستان – الأولى في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دوليًا، والثانية في بنغازي بقيادة أسامة حماد والمدعومة من البرلمان وقائد الجيش خليفة حفتر – باتت طرابلس، لسنوات، ساحة تصفية حسابات بين فصائل مسلحة تتنافس على النفوذ والموارد.
ويتمركز الصراع غرب ليبيا، حيث توجد مؤسسات الدولة والمقار الحكومية، إضافة إلى مدينة مصراتة، معقل الدبيبة. هذا التداخل في الولاءات خلق بيئة مرنة لتبدّل التحالفات، بحيث يمكن لتغير طفيف في المشهد السياسي أو الميداني أن يُشعل حربًا شاملة بين الفصائل.
اغتيال “غنيوة”: لحظة فارقة
في 12 مايو، قُتل عبد الغني الككلي خلال اجتماع في مقر “اللواء 444” التابع لوزارة الدفاع، وسط ظروف غامضة وصفها البعض بالكمين المخطط مسبقًا.
وخرج رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة ليصف العملية بأنها “ناجحة وسريعة”، مشيرًا إلى أنها جرت دون إصابات مدنية رغم حدوثها في منطقة مكتظة.
لكن عملية الاغتيال لم تمر مرور الكرام، إذ فجرت مواجهات مسلحة بين فصائل تابعة لحكومة الدبيبة وأخرى مناوئة لها، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وتسببت بحالة من الغضب الشعبي، خرجت على إثرها مظاهرات تطالب بإسقاط الحكومة.
أشارت تقارير محلية إلى أن اغتيال الككلي جاء ردًا على تحركات مسلحة نفذها عناصره ضد مؤسسة الاتصالات الحكومية في طرابلس، ما أثار غضب قادة من مصراتة لاعتبارهم الحادث مساسًا بنفوذهم.
ومع تصاعد الاحتقان، اتخذ الدبيبة قرارات بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وحل بعض التشكيلات الموازية، في محاولة للسيطرة على المشهد الأمني المتفلت.
إعادة ترتيب خريطة السيطرة
يُعتقد أن الككلي كان يدير “جيشًا خاصًا”، ويسيطر على موارد غير رسمية عبر التهريب والاقتصاد الموازي، وحتى له نفوذ في قطاعات حساسة مثل المصرف المركزي.
ويرى مراقبون أن الدبيبة كان يسعى منذ سنوات لتحجيم نفوذه، إلا أن المهمة كانت معقدة نظرًا لتعقيد شبكة الولاءات وتداخل المصالح.
ورغم أن مقتله قد يفتح الطريق أمام الدبيبة لتوسيع سيطرته، إلا أن التساؤلات تبقى قائمة حول الثمن السياسي والأمني الذي ستدفعه طرابلس.
المشهد الليبي لم يعد محليًا بالكامل. فقد بدأت بوادر خطة دولية تقودها واشنطن لتفكيك الفصائل المسلحة، وتوحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية.
زيارات متبادلة بين مسؤولين ليبيين وعسكريين أمريكيين، إضافة إلى جلسة مغلقة بمجلس الأمن، كشفت عن توجه دولي لفرض إصلاحات أمنية حاسمة في البلاد.
بعد الاشتباكات، أعلن الدبيبة حل أجهزة أمنية مثل جهاز الأمن القضائي وهيئة أمن المرافق، وأحال بعضها إلى وزارته مباشرة، في خطوة فسّرها محللون بأنها محاولة لإنهاء نفوذ الجماعات الخارجة عن السيطرة، ودمج الأجهزة المتفرقة في مظلة رسمية واحدة.
المجلس الرئاسي يدخل على الخط
رد فعل المجلس الرئاسي لم يتأخر، إذ أعلن وقفًا فوريًا لإطلاق النار، ووجّه بتجميد جميع قرارات الدبيبة المتعلقة بالشأن العسكري. هذا التصعيد المتبادل يعكس عمق الانقسام بين المؤسسات، ويعيد النقاش حول من يمتلك الكلمة العليا في غرب ليبيا.
اللاعبون الرئيسيون على الساحة
بحسب المحلل السياسي أحمد المهدوي، تنقسم الفصائل في طرابلس إلى معسكرين:
-
معسكر الدبيبة: ويشمل فصائل من مصراتة والزاوية والزنتان مثل اللواء 444 قتال، واللواء 111 مجحفل، والقوة المشتركة، وجهاز الأمن العام.
-
المعسكر المناوئ: ويتضمن جهاز الردع بقيادة عبد الرؤوف كارة، جهاز دعم الاستقرار سابقًا بقيادة الككلي، إضافة إلى قوات أسامة الجويلي في الجبل الغربي.
الاستقالات الشعبية والسياسية
لم تقتصر تداعيات الحادثة على المواجهات العسكرية، بل وصلت إلى بنية الحكومة نفسها. فقد قدّم ستة وزراء ونوابهم استقالاتهم، ودعمت بلديات في غرب طرابلس الدعوات لإسقاط حكومة الدبيبة، مما دفع رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، إلى إطلاق مشاورات لاختيار رئيس حكومة جديد بالتعاون مع البرلمان.
ورغم هذه الضغوط، أصر الدبيبة على البقاء، وظهر في صور وهو يستقبل وفودًا من طرابلس ومصراتة معلنين دعمهم له، في رسالة تعكس اعتماد حكومته على تحالفات قبلية وفئوية لمواجهة الأزمة.
إلى أين تتجه ليبيا؟
الصراع في ليبيا لم يعد مجرد نزاع سياسي، بل تحول إلى سباق على الموارد والنفوذ وسط غياب مؤسسات موحدة. فقد باتت مؤسسات الدولة كساحات معركة خلفية، من مصرف ليبيا المركزي إلى مؤسسة النفط، يتنافس عليها اللاعبون المحليون كلٌّ بطريقته.
ويحذر محللون من أن هذا المشهد يترك ليبيا في حالة من الشلل السياسي والعسكري، ويقوّض أي فرصة للاستقرار أو التنمية، خصوصًا في ظل بيئة استثمارية مهددة وعائدات نفطية تتحكم بها فصائل لا تخضع لسلطة مركزية واحدة.
في النهاية، قد يكون اغتيال الككلي بداية لفصل جديد في النزاع الليبي، لكن دون توافق وطني ودعم دولي فعّال، ستظل طرابلس رهينة السلاح، والتحالفات المتبدلة، ومخاوف الانفجار المقبل.















