تقرير: واشنطن تستخدم قواعد عسكرية طورتها الإمارات في القرن الأفريقي

تتزايد الأسئلة في واشنطن حول الدور الإماراتي في تسليح قوات الدعم السريع السودانية، بالتوازي مع استمرار الولايات المتحدة في الاعتماد على قواعد عسكرية طورتها أبوظبي في القرن الأفريقي لتنفيذ عملياتها الخاصة بمكافحة الإرهاب في الصومال.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن هذا التداخل بين الضغط الأميركي على الإمارات بشأن السودان، واستخدامها لمرافق إماراتية في عمليات سرية وبعيدة عن الأضواء، يفتح الباب أمام قراءة جديدة لمعادلة النفوذ والعمليات “الرمادية” في المنطقة.
وبحسب الموقع فإن واشنطن صعدت في الأسابيع الأخيرة، لهجتها ضد الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب مجازر مروعة في دارفور، خصوصًا في مدينة الفاشر.
وقد أشار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بعد اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع، إلى أن واشنطن “تعرف الأطراف التي تزود” هذه القوات بالسلاح، مؤكدًا أن هذا الدعم يجب أن يتوقف.
ولم يذكر روبيو الإمارات بالاسم، غير أن الأسئلة الصحفية حول الطائرات المسيّرة الصينية التي توفرها أبوظبي لقوات الدعم السريع أعادت تأكيد الاتهامات الأميركية.
وتزامنت هذه التطورات مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء “العمل بشأن السودان”، في خطوة جاءت بعد ضغوط سعودية أوردها موقع “ميدل إيست آي”.
وتشير مصادر داخل واشنطن إلى أن وزارة الخارجية الأميركية تدرس فرض عقوبات جديدة تستهدف شخصيات مركزية في العلاقة بين الدعم السريع والإمارات.
في الوقت نفسه، يبرز تناقض لافت بين المساعي الأميركية لوقف الإمدادات الإماراتية إلى السودان، واعتمادها على منشآت عسكرية إماراتية في الصومال، خاصة في مدينة بوساسو الساحلية في ولاية بونتلاند.
فقد طورت الإمارات خلال السنوات الماضية قاعدة بوساسو الجوية وميناءها، لتتحول إلى مركز لوجستي رئيسي في نقل الأسلحة والإمدادات لقوات الدعم السريع، وفق تحقيقات وصور أقمار صناعية.
غير أن القوات الأميركية تستخدم المنشآت ذاتها بهدوء لشن عمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال.
وقد نفذت القيادة الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” غارة جوية من محيط بوساسو في 10 نوفمبر، قبل أيام فقط من تصريحات روبيو، وذلك خلال حملة جوية مكثفة ضد تنظيم الدولة.
وتشير بيانات الرحلات الجوية إلى تحركات منتظمة لطائرات أميركية بين جيبوتي وبوساسو ومواقع أخرى، في إطار توسع عملي لوجودها خارج معسكر ليمونييه المكتظ بالقوى الدولية.
ويعزز هذا التعاون زيارات متكررة لقيادات عسكرية أميركية إلى بونتلاند، واجتماعات مع مسؤولين فيها، إضافة إلى تدريبات مشتركة مع قوات الأمن المحلية.
وبحسب مصادر دفاعية، وفّرت الإمارات للولايات المتحدة “منطقة انطلاق” جاهزة حين تنفذ القوات الأميركية عمليات نوعية تشمل جمع معلومات حساسة بعد الضربات الجوية.
وفي حين تنكر الإمارات الاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع، فإن عشرات المصادر وبيانات تتبع الطيران تشير إلى تحوّل بوساسو إلى محطة ثابتة في “الجسر الجوي” الممتد بين الإمارات وشمال السودان.
فقد هبطت في القاعدة 77 رحلة بين مارس 2024 وأغسطس 2025، بينها رحلات لطائرات شحن من طراز IL-76 مجهولة الحمولة، تخفي إشاراتها خلال التحليق، وتنقل مواد “ثقيلة وغير معلنة” بحسب مسؤولين في بونتلاند.
كما أشير إلى وجود مرتزقة كولومبيين يشاركون في عمليات التحميل والتأمين.
ولا يقتصر النشاط على الطائرات، إذ تكشف بيانات الملاحة البحرية عن شبكة متصلة من القواعد الإماراتية في جزر سقطرى اليمنية، وجبل زقر، وميون في باب المندب، والمخا، وصولاً إلى بوساسو وبربرة في أرض الصومال، حيث تُشيّد بنية تحتية عسكرية متطورة تشمل موانئ عميقة، ومدارج بطول 4 كيلومترات، ورادارات قادرة على رصد الأجواء حتى جنوب اليمن.
وتمنح هذه الشبكة الإمارات طوق نفوذ يمتد عبر البحر الأحمر وخليج عدن، وتشكّل مظلة لوجستية متقدمة يمكن استخدامها في المسارين المتوازيين: دعم قوات الدعم السريع، وخدمة العمليات الأميركية في الصومال.
ووفق خبراء، فإن احتضان هذه القواعد لعمليات “بيضاء” معلنة و“سرية” في آن واحد، يجعل التمييز بين شحنات مكافحة الإرهاب وشحنات الدعم السريع مهمة شبه مستحيلة.
وبينما تتصاعد المخاوف الأميركية من التوسع الصيني في جيبوتي، تبرز بربرة وبوساسو كخيارات حيوية لواشنطن لتعزيز وجودها الإقليمي.
في المقابل، تستفيد الإمارات من انشغال الولايات المتحدة بمكافحة الإرهاب لتطوير مشروع نفوذ إقليمي يشبه – كما يصفه محللون سودانيون – مشروع الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر.
وفي المحصلة، يتقاطع الضغط الأميركي على الإمارات بشأن السودان مع اعتمادها العملي على البنية العسكرية الإماراتية في القرن الأفريقي، ما يجعل العلاقة بينهما مزيجًا من التحالف العملياتي والتوتر السياسي، ويمهّد لمرحلة جديدة من الصراع على النفوذ بين أبوظبي والرياض على الساحة السودانية، بينما تواصل واشنطن تشغيل آلتها الأمنية في فضاء تحكمه العمليات الرمادية.















