“هديّة” قطرية لإدارة ترامب: طائرة فاخرة تتحول إلى “إير فورس ون”

تستعد إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لقبول طائرة بوينغ 747-8 فاخرة مقدمة من العائلة الحاكمة في قطر، لاستخدامها كطائرة رئاسية في حال فوزه بولاية ثانية، وفقاً لما كشفته شبكة CNN نقلاً عن مصادر مطلعة.

ورغم تقديم الصفقة كاتفاق حكومي بين وزارة الدفاع القطرية ونظيرتها الأميركية، إلا أن خلفياتها السياسية والرمزية تثير تساؤلات عميقة حول النفوذ القطري في واشنطن.

تأتي هذه الخطوة بينما يبدأ ترامب زيارة إلى الدوحة، في وقت تتصاعد فيه انتقادات الداخل الأميركي لعلاقات المال والنفوذ التي تربط حملته الانتخابية بحكومات أجنبية، وعلى رأسها قطر.

وتتمثل خطة الصفقة في أن تتولى وزارة الدفاع الأميركية تعديل الطائرة لتلائم احتياجات الرئاسة الأميركية، قبل أن تُهدى لاحقاً إلى “مكتبة ترامب الرئاسية” بعد انتهاء ولايته، في خطوة وُصفت بأنها تثير “كابوساً أمنياً” للمؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأميركية.

مصدر أمني صرّح لـCNN بأن الطائرة ستحتاج إلى “تفكيك كامل” وفحص دقيق للتأكد من خلوها من معدات تجسس أو تهديدات أمنية، في سابقة غير معهودة لطائرات الرئاسة الأميركية.

استثمار قطري في نفوذ واشنطن

ورغم نفي السفارة القطرية في واشنطن أن يكون هناك قرار نهائي بشأن الصفقة، فإن مصادر متعددة تؤكد أن الصفقة قيد التفاوض الفعلي، في سياق سعي قطر لتعزيز نفوذها داخل مراكز القرار الأميركي.

وتاريخياً، وظفت الدوحة أدوات “القوة الناعمة” بشكل واسع، بدءاً من تمويل مراكز أبحاث (مثل بروكنغز) وشراء ولاءات إعلامية، وصولاً إلى صفقات تجارية ضخمة مع شركات أسلحة أميركية.

لكن التحول اللافت اليوم هو استخدام الرموز السيادية – مثل طائرة رئاسية – كوسيلة لاختراق أعلى مستويات الواجهة السياسية الأميركية.

بوينغ… أزمة متفاقمة فتحت الباب للدوحة

يعكس هذا التطور أيضاً أزمة داخلية تعاني منها شركة بوينغ، التي تواجه تأخيرات وخسائر فادحة في مشروع تطوير طائرتي “إير فورس ون” الجديدتين (VC-25B).

فقد تجاوزت تكاليف البرنامج 2.5 مليار دولار إضافية عن المتوقع، وتأخّر التسليم من 2022 إلى 2027. هذا الفشل أتاح الفرصة لقطر لطرح “حل سريع” عبر التبرع بطائرة جاهزة، وهو ما يضعف الموقف التفاوضي للحكومة الأميركية أمام هذا العرض المغري.

ترامب، الذي عبّر مراراً عن استيائه من تأخيرات بوينغ، كان قد لمح في فبراير الماضي إلى إمكانية “شراء طائرة مستعملة وتجديدها” كبديل، وهو ما جعل العرض القطري بمثابة حل “مصنوع خصيصاً” لاحتياجات حملته ورمزيته الانتخابية.

إير فورس ون… ليست مجرد طائرة

من منظور أمني واستراتيجي، لا تمثل “إير فورس ون” مجرد وسيلة نقل، بل هي مركز قيادة متحرك، مجهز بأنظمة اتصالات عسكرية مشفرة تتيح للرئيس إدارة العمليات العسكرية وإصدار الأوامر النووية في حالات الطوارئ. ولهذا السبب تحديداً، تُصمم الطائرات الرئاسية تحت إشراف دقيق من البنتاغون ووكالات الأمن القومي.

ريتشارد أبولافيا، مدير شركة AeroDynamic Advisory، أشار إلى أن التحدي لا يكمن في شراء طائرة جديدة، بل في تأمين بنيتها التحتية لتصبح “مركز قيادة طائر”، وهي عملية معقدة وحساسة للغاية.

في السياق الأوسع، تعكس هذه الصفقة طموح قطر لممارسة دبلوماسية “الهدايا الكبرى” كوسيلة للتأثير على النخب السياسية الأميركية.

ورغم محاولات تبرير الصفقة كاتفاق حكومي-حكومي، إلا أن الطابع الرمزي لاستخدامها كرأس حربة في حملة ترامب الرئاسية الثانية يسلط الضوء على حدود العلاقة بين المال والسيادة.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن سياسة قطر الأوسع في استثمار الفجوات داخل النظام السياسي الأميركي، وتوظيف ثروتها الضخمة لشراء النفوذ في لحظات حساسة.

تمنح صفقة “الطائرة القطرية” مثالاً جديداً على كيفية توظيف الدول الصغيرة للثروة كوسيلة لتأمين موطئ قدم في معارك السياسة الكبرى. لكنها في ذات الوقت، تفتح ملفاً شائكاً حول الشفافية والاستقلالية في قرارات السياسة الدفاعية الأميركية، ومدى قابلية مؤسساتها للخضوع لضغوط المال الأجنبي في ظل صعود شعبيوية مثل ترامب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى