نيويورك تايمز: رسالة مفتوحة تطالب بسحب القوات الأمريكية من الأردن

أثار توقيع مئات الشخصيات السياسية والقانونية والأكاديمية الأردنية على رسالة مفتوحة تدعو إلى سحب القوات الأمريكية من الأردن نقاشًا واسعًا حول الوجود العسكري الأمريكي في المملكة، في خطوة وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بأنها تمثل تحديًا علنيًا نادرًا للحكومة الأردنية في ظل القيود المفروضة على حرية التعبير والمعارضة السياسية.

وقالت الصحيفة إن الرسالة، التي وقعها مئات الأردنيين، جاءت في وقت تشهد فيه المملكة تصاعدًا في التوترات الأمنية نتيجة الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة المرتبطة بالحرب الإقليمية، والتي استهدفت خلال الأسابيع الأخيرة قوات ومنشآت عسكرية أمريكية داخل الأراضي الأردنية، ما أدى إلى إطلاق صفارات الإنذار في عدد من المناطق وإثارة مخاوف من انجرار الأردن إلى صراع لا يرغب في الانخراط فيه.

وبحسب الرسالة، اعتبر الموقعون أن استمرار وجود القوات الأمريكية على الأراضي الأردنية يشكل تهديدًا لسيادة المملكة، ويعرضها لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية، مؤكدين أن الأردن قد يصبح طرفًا في مواجهة إقليمية لا تخدم مصالحه الوطنية.

وجاء في نص الرسالة أن وجود القوات الأمريكية “يعرض الأردن لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية لا تخدم أي مصلحة وطنية، ويزيد من احتمالات جر البلاد إلى صراع إقليمي ليست طرفًا فيه”، داعية الحكومة إلى إعادة النظر في هذا الوجود العسكري.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحكومة الأردنية لم تصدر تعليقًا رسميًا على الرسالة أو على الانتقادات المتعلقة بحرية التعبير، رغم طلبات وسائل الإعلام للحصول على رد.

ويستضيف الأردن نحو أربعة آلاف جندي أمريكي موزعين على عدد من القواعد والمنشآت العسكرية، ويعد أحد أبرز مراكز العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، في إطار التعاون الدفاعي الممتد بين عمان وواشنطن.

وأضافت الصحيفة أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، انعكست بصورة مباشرة على الأردن، حيث تعرضت المملكة لسقوط حطام صواريخ ومسيّرات اعترضتها أنظمة الدفاع الجوي أثناء مرورها في الأجواء الأردنية، كما تأثر قطاع السياحة الذي يمثل أحد أهم مصادر الدخل الوطني، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأردني من تحديات تتعلق بارتفاع معدلات البطالة وضعف الموارد الطبيعية.

ورأت الصحيفة أن استمرار تمسك الحكومة الأردنية بتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة يعود، بحسب محللين، إلى اعتماد المملكة بصورة كبيرة على المساعدات الأمريكية، إذ بلغت قيمة المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية المقدمة للأردن خلال العام الماضي نحو 1.65 مليار دولار.

ونقلت الصحيفة عن الناشط السياسي سفيان التل، البالغ من العمر تسعين عامًا، قوله إن توقيعه على الرسالة جاء للتأكيد على وجود اختلاف بين مواقف الحكومة ومواقف قطاع من المواطنين بشأن العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبراً أن الشعب الأردني لا يؤيد استخدام أراضي المملكة أو إمكاناتها في أي ترتيبات تخدم إسرائيل.

وأضاف التل، الذي سبق أن اعتُقل عام 2022 بعد إعلانه نيته انتقاد خطاب للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أن وجود القوات الأمريكية جعل الأردن أكثر عرضة للمخاطر الأمنية، مشيرًا إلى سقوط أجزاء من صواريخ ومسيرات إيرانية داخل الأراضي الأردنية أثناء اعتراضها.

وأوضح أن مئات الأشخاص انضموا لاحقًا إلى الموقعين على الرسالة رغم إدراكهم لاحتمال تعرضهم لإجراءات قانونية، مضيفًا أن الرد المتوقع من السلطات قد يكون ملاحقة بعض الموقعين أو اتخاذ إجراءات بحقهم.

وأبرزت الصحيفة حالة التوتر التي ظهرت داخل مجلس النواب الأردني خلال إحدى جلساته، عندما اقترح النائب علي الخلايلة تقديم التعازي للولايات المتحدة في مقتل جنود أمريكيين على الأراضي الأردنية، وهو ما قوبل باحتجاجات من عدد من النواب، اتهم بعضهم الجيش الأمريكي بالتسبب في سقوط ضحايا مدنيين خلال عملياته العسكرية في المنطقة.

من جانبه، قال الصحفي والكاتب الفلسطيني الأمريكي داود كتاب إن من الصعب تحديد مدى تمثيل الرسالة للرأي العام الأردني في ظل غياب استطلاعات رأي مستقلة وارتفاع كلفة التعبير العلني عن المواقف السياسية، مشيرًا إلى أن غالبية الموقعين ينتمون إلى تيارات قومية ويسارية وإسلامية.

وأضاف أن وسائل الإعلام الأردنية لم تنشر نص الرسالة، في حين جرى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن ذلك يعكس مناخًا يتسم بالحذر والرقابة الذاتية، إلى جانب ما وصفه بتراجع مساحة حرية التعبير.

وأشارت الصحيفة إلى أن الأردن أقر عام 2023 تعديلات قانونية شددت العقوبات على مخالفات تتعلق بـ”نشر الأخبار الكاذبة” و”تهديد السلم المجتمعي”، وهي قوانين قالت منظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية، إنها استُخدمت في ملاحقة صحفيين وناشطين ومنتقدين للحكومة.

كما لفتت إلى أن السلطات الأردنية حظرت العام الماضي جماعة الإخوان المسلمين، واتهمتها بالتخطيط لتنفيذ هجمات داخل البلاد، كما نفذت قوات الأمن مداهمات لمقرات جبهة العمل الإسلامي، أكبر أحزاب المعارضة في المملكة.

ونقلت الصحيفة عن الباحث آرون ماغيد، مؤلف كتاب “الملك الأكثر أمريكية: عبد الله ملك الأردن”، قوله إن انتقاد الشراكة الأمنية بين الأردن والولايات المتحدة يُعد خطوة غير مألوفة في المشهد السياسي الأردني، موضحًا أن السلطات سبق أن اتخذت إجراءات بحق أشخاص انتقدوا سياسات الحكومة أو علاقاتها مع حلفائها، وهو ما يجعل الرسالة المفتوحة، بحسب تقديره، تعبيرًا نادرًا عن معارضة علنية لملف يعد من أكثر ملفات السياسة الخارجية حساسية في الأردن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى