فشل المنتخبات الخليجية في كأس العالم يثير تساؤلات جدوى الاستثمارات الضخمة

غادرت المنتخبات الخليجية منافسات كأس العالم 2026 مبكرًا، في مشهد أعاد طرح تساؤلات حول قدرة الاستثمارات المالية الضخمة على تحقيق النجاح الرياضي، بعدما فشلت منتخبات السعودية وقطر وإيران والعراق في ترك بصمة حقيقية خلال البطولة، رغم مليارات الدولارات التي ضُخت خلال السنوات الأخيرة في تطوير كرة القدم والبنية التحتية واستقطاب أبرز نجوم اللعبة.
وأظهر الخروج المبكر للمنتخبات الخليجية، بحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس، أن الإنفاق الكبير على كرة القدم لا يضمن بالضرورة تحقيق نتائج على أعلى المستويات، في وقت برزت فيه منتخبات أفريقية بصورة لافتة، بعدما نجح تسعة من أصل عشرة منتخبات أفريقية في بلوغ الدور الثاني من البطولة.
وكانت السعودية أبرز الخاسرين، بعدما ودعت المنافسات من دور المجموعات للمرة السادسة على التوالي، واحتلت المركز الأخير في مجموعة ضمت منتخب الرأس الأخضر، ثالث أصغر دولة تشارك في كأس العالم، والذي نجح في بلوغ الأدوار الإقصائية للمرة الأولى في تاريخه، في مفارقة اعتبرها مراقبون مؤشراً على الفجوة بين حجم الإنفاق والنتائج المحققة.
وجاء الإخفاق السعودي في توقيت حساس، قبل ثماني سنوات فقط من استضافة المملكة نهائيات كأس العالم 2034، وهي البطولة التي تعول عليها الرياض لإبراز مكانتها العالمية في المجال الرياضي ضمن مشاريعها الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
وفي أول تداعيات الخروج، أعلن رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم، ياسر المسحل، استقالته من منصبه، مؤكداً أن تنحيه يهدف إلى فتح المجال أمام “مرحلة جديدة” من القيادة داخل الكرة السعودية، مع تحمله المسؤولية الكاملة عن الإخفاق في المونديال.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت السعودية لاعبًا رئيسيًا في سوق كرة القدم العالمية بعد استقطاب عدد من أبرز نجوم اللعبة، من بينهم كريستيانو رونالدو وكريم بنزيما ونيمار، إلى جانب استثماراتها في شراء نادي نيوكاسل الإنجليزي، وإطلاق بطولة “ليف غولف”، واستضافة سباقات فورمولا 1 ونزالات ملاكمة عالمية.
إلا أن هذه الاستثمارات لم تنعكس حتى الآن على مستوى المنتخب الوطني، الذي عجز عن تجاوز دور المجموعات، رغم الآمال بأن يؤدي رفع مستوى الدوري المحلي إلى تطوير اللاعبين السعوديين وتعزيز تنافسيتهم دولياً.
وقال مدرب المنتخب السعودي جورجيوس دونيس إن الأداء أمام الرأس الأخضر كان مخيباً، مضيفاً: “لم يكن هذا ما أردناه، لأننا عندما نلعب مباراة كهذه أمام فريق يقاربنا في المستوى، فإن أداءنا لم يكن جيدًا، وهذا يثير القلق”.
ورغم أن الفوز التاريخي على الأرجنتين في مونديال 2022، التي توجت لاحقًا باللقب، منح الكرة السعودية زخماً كبيراً، فإن المنتخب لم ينجح هذه المرة في تحقيق أي نتيجة مشابهة، لينتهي مشواره سريعاً دون أي إنجاز لافت.
وأكد دونيس أن وجود نجوم عالميين في الدوري السعودي يسهم في رفع مستوى المنافسة، لكنه شدد على أن اللعب مع المنتخب الوطني يتطلب عقلية وتجارب مختلفة لا يمكن تعويضها بالاستثمارات وحدها.
وفي المقابل، ودعت قطر البطولة بعد ثلاث مباريات فقط، رغم أنها دخلت التاريخ بحصد أول نقطة لها في كأس العالم إثر تعادل درامي مع سويسرا بهدف في الدقائق الأخيرة، لكنها فشلت مجدداً في تجاوز الدور الأول، بعد أقل من أربع سنوات على استضافتها النسخة الماضية وإنفاقها مليارات الدولارات لبناء ثمانية ملاعب حديثة.
وكانت قطر قد نجحت خلال السنوات الأخيرة في فرض هيمنتها القارية بإحراز لقب كأس آسيا مرتين متتاليتين، معتمدة بصورة أساسية على تطوير اللاعبين المحليين، رغم أن عدد مواطنيها لا يتجاوز 300 ألف نسمة من أصل نحو ثلاثة ملايين نسمة يقيمون في البلاد.
كما استعانت الدوحة بالمدرب الإسباني جولين لوبيتيغي، الذي سبق له تدريب منتخب إسبانيا وريال مدريد، في محاولة لتعزيز حضور المنتخب على الساحة الدولية.
وقال لوبيتيغي إن المنتخب القطري أثبت قدرته على المنافسة، مضيفاً أن قطر دولة صغيرة لكنها تمتلك شغفاً واستثماراً كبيرين في كرة القدم، مؤكداً أن العمل سيتواصل من أجل تحسين الأداء مستقبلاً.
وفي الوقت الذي اختارت فيه السعودية استقطاب نجوم عالميين إلى دوريها المحلي، ركزت قطر بصورة أكبر على بناء قاعدة من اللاعبين المحليين، إلا أن النجاحات القارية لم تترجم إلى نتائج مماثلة في كأس العالم، وهو ما اعتبره التقرير أحد أبرز أوجه الإخفاق.
وأشار التقرير إلى أن السعودية بدأت بالفعل مراجعة استراتيجيتها استعداداً لاستضافة مونديال 2034، حيث تباطأت وتيرة التعاقدات مع النجوم الأجانب، ورحل عدد من الأسماء البارزة، بينهم نيمار، بينما اتجهت المملكة إلى تعزيز الاستثمار في الفئات السنية وتطوير المواهب المحلية.
وفي هذا الإطار، استعانت السعودية بالمدير الرياضي السابق للاتحاد الأمريكي لكرة القدم، مات كروكر، للإشراف على برامج تطوير المواهب، وسط تقارير تشير إلى تضاعف حجم الاستثمار في الفئات العمرية خلال السنوات الثلاث الماضية.
أما إيران، التي تشارك في كأس العالم منذ عام 1978، فقد واجهت تحديات كبيرة في الإعداد والسفر عقب الحرب مع الولايات المتحدة، وأنهت دور المجموعات بثلاثة تعادلات، لكنها أخفقت في التأهل ضمن أفضل منتخبات المركز الثالث بفارق ضئيل، لتستمر عقدتها التاريخية في عدم تجاوز الدور الأول خلال مشاركاتها السبع.
كما خرج العراق بدوره مبكراً في ثاني مشاركة له في تاريخ كأس العالم، بعد أربعين عاماً من ظهوره الأول، ليبقى بعيداً عن تحقيق إنجاز عالمي.
ورأى التقرير أن النسخة الموسعة من كأس العالم، التي تضم 48 منتخباً، فتحت الباب أمام منتخبات صاعدة مثل الرأس الأخضر والكونغو لكتابة صفحات جديدة في تاريخ البطولة.
في المقابل لا تزال المنتخبات الخليجية تبحث عن اللحظة التي تنجح فيها في تحويل الإنفاق الضخم والاستثمارات الرياضية إلى نتائج ملموسة داخل المستطيل الأخضر، بعدما أثبتت البطولة أن المال وحده لا يكفي لصناعة النجاح في كرة القدم.















