التايمز البريطانية: الذهب والسلاح من الإمارات يغذيان آلة الحرب في السودان

كشفت صحيفة التايمز البريطانية في تحقيق موسّع أن الحرب الدامية في السودان، التي أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين وشردت الملايين، تُموَّل وتُغذّى عبر شبكة معقدة من صفقات الذهب والسلاح تقف وراءها أطراف إقليمية، في مقدمتها الإمارات العربية المتحدة.

ورغم النفي الرسمي المتكرر من أبوظبي، تؤكد الصحيفة أن الأدلة على تورطها في تسليح قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، أصبحت “أصعب على التجاهل” حتى لدى العواصم الغربية الصديقة للإمارات.

وبحسب الصحيفة بدأ الخيط الذي قاد إلى الكشف عن هذا التورط في أبريل الماضي، عندما أوقف جنود سودانيون قافلة في شمال دارفور، ووجدوا داخلها صناديق ذخيرة تحمل حروفًا سلافية تشير إلى منشأ أوروبي شرقي، في منطقة نادرًا ما تصلها مثل هذه الأسلحة.

وأوردت التايمز، أن قوات الدعم السريع، التي تطورت من ميليشيات الجنجويد المسؤولة عن مذابح دارفور قبل عقدين، تحولت اليوم إلى إمبراطورية خاصة تموّلها تجارة الذهب وتسلحها قوى أجنبية، في مقدمتها الإمارات التي تقدم دعماً لوجستياً وعسكرياً متطوراً.

شهادات وأدلة من العواصم الغربية

ينقل التحقيق عن مايكل جونز، الباحث في معهد الخدمات الملكية المتحدة للأبحاث الأمنية في لندن، قوله إن “هناك أدلة قوية من مراقبي الأمم المتحدة ووكالات الاستخبارات الأمريكية تشير إلى تورط الإمارات في تدفق الأسلحة إلى السودان”.

ويوضح جونز أن الدعم السريع حصل عبر شبكة وسطاء في ليبيا وأوغندا وإفريقيا الوسطى وتشاد على كل شيء: “من الطائرات المسيّرة إلى المدافع والعربات والذخائر والمعدات اللوجستية”، مشيرًا إلى أن التمويل والتمويه يتمان عبر شركات خاصة واجهاتها تجارية.

وتنقل الصحيفة عن أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، قوله إن بلاده “تدعم وقف إطلاق النار والانتقال إلى الحكم المدني”، نافياً أي علاقة بتسليح أي طرف في السودان.

لكن الوثائق التي اطلعت عليها التايمز، إلى جانب تقارير الأمم المتحدة، تكشف تناقضًا صارخًا مع هذا الموقف. فبيانات الشحن الجوي من الإمارات إلى تشاد لا تتطابق مع نوع البضائع المرسلة، والذخائر المضبوطة على الأرض في دارفور تحمل أرقامًا تسلسلية تعود إلى مخازن إماراتية.

وفي تقرير سري لفريق خبراء الأمم المتحدة في أبريل الماضي، وُثقت “عدة رحلات” لطائرات شحن إماراتية حاولت عمدًا تجنّب أجهزة التتبع أثناء توجهها إلى قواعد في تشاد، التي تمثل المعبر الرئيسي لإمداد قوات حميدتي.

ورغم أن أبوظبي تزعم أن تلك الرحلات كانت تحمل “مواد إنسانية”، فإن مصادر دبلوماسية وغربية قالت للصحيفة إن صور الأقمار الصناعية تظهر أن الرحلات كانت شبه يومية منذ يونيو 2023، وفق تأكيدات لـنيويورك تايمز أيضًا.

الذهب.. وقود الحرب الصامت

لا يقتصر الأمر على السلاح، إذ تؤكد التايمز أن وراء المعركة منجمًا من الذهب يشعل نيرانها بصمت.

فالسودان، ثالث أكبر منتج للذهب في إفريقيا، يضم مناجم واسعة في دارفور تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع. ويُنقل الذهب المهرَّب عبر تشاد وإفريقيا الوسطى إلى دبي، حيث يُدمج داخل السوق الإماراتي الضخم ويختفي أثره.

هذا الذهب، بحسب الصحيفة، يمثل مصدر التمويل الأساسي لآلة الحرب، إذ يوفّر المال اللازم لشراء الأسلحة ودفع رواتب المقاتلين، بينما يمنح داعمي حميدتي في الخارج أرباحًا مالية ونفوذًا سياسيًا متزايدًا.

وأشارت الصحيفة إلى أن تحقيقات الأمم المتحدة تعقبت قذائف هاون بلغارية الصنع وصلت إلى السودان بعد أن كانت صُدرت قانونيًا إلى الإمارات عام 2019.

وأكد المصنع البلغاري “VMZ Sopot” أنه لم يمنح ترخيصًا لإعادة التصدير، ما يعني أن الذخائر حوّلت بصورة غير قانونية إلى السودان عبر تشاد.

كما وُجدت مكونات بريطانية الصنع في ساحة المعركة، كانت بيعت للإمارات ضمن صفقات شرعية ثم أُعيد تصديرها في خرق لاتفاقيات الاستخدام النهائي، ما يسلّط الضوء على تآكل منظومة الرقابة الدولية على تجارة السلاح.

وتنقل الصحيفة عن دبلوماسيين غربيين أن “رسائل عتاب هادئة” أُرسلت بالفعل إلى الإمارات، فيما تطالب منظمات حقوقية بفتح تحقيق رسمي حول انتهاكها لحظر الأسلحة المفروض على السودان.

تشابك إقليمي يزيد النار اشتعالاً

بحسب التايمز، فإن الصراع السوداني أصبح ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية:

الإمارات تدعم الدعم السريع لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر ولتحجيم التيارات الإسلامية.

مصر والسعودية تميلان إلى دعم الجيش الرسمي كحاجز أمام الإسلاميين وكضامن لاستقرار منابع النيل.

إيران وتركيا دخلتا المعركة عبر تزويد الجيش بطائرات مسيرة وأنظمة صواريخ، بينما منح خليفة حفتر حميدتي ممرًا لوجستيًا من شرق ليبيا نحو دارفور.

وركزت الصحيفة على سقوط مدينة الفاشر في 27 أكتوبر بعد حصار دام 18 شهرًا، باعتباره لحظة مفصلية كشفت حجم التدخل الخارجي.

فصور الأقمار الصناعية أظهرت بقعًا من الدماء والدمار الواسع، فيما تحدث الناجون عن اغتصاب جماعي ومجازر وخطف مدنيين.

وتحذر التايمز من أن استمرار تدفق الذهب والسلاح يعني أن الدعم السريع قادر على القتال “إلى أجل غير مسمى”، بينما ينهار الاقتصاد السوداني وتعم المجاعة معظم غرب البلاد.

ويقول أحمد سليمان من مركز تشاتام هاوس إن “الضغط على الرعاة الإقليميين، خصوصًا الإمارات، هو السبيل الوحيد لوقف نزيف الدم”، متسائلًا: “هل هم فعلًا مهتمون بإنهاء الحرب… أم باستثمارها؟”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى