الغارديان: كيف أصبحت قطر عاصمة عالمية للدبلوماسية

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرًا موسّعًا تناولت فيه الدور المتصاعد الذي تلعبه قطر على الساحة الدولية، معتبرةً أن هذه الدولة الخليجية الصغيرة من حيث الجغرافيا والديموغرافيا، تحوّلت إلى لاعب رئيسي في ملفات الوساطة وحل النزاعات، عبر دبلوماسية نشطة جعلت من “التوسط” هوية وطنية واستراتيجية بقاء.
قطر في عين العاصفة
فجر 13 يونيو/حزيران، وبينما كانت المنطقة تغلي على وقع هجوم إسرائيلي استهدف العاصمة الإيرانية طهران، تلقى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني اتصالًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طالب فيه الدوحة باستخدام علاقاتها مع إيران لفتح قنوات تفاوضية مع الرئيس المنتخب مسعود بزشكيان. لكن طهران ردّت بوضوح: “لا مفاوضات تحت القصف”.
وجدت قطر نفسها فجأة بين ناريْن: واشنطن وطهران، وهما من أهم شركائها. فسارعت إلى إطلاق تحرك دبلوماسي عاجل في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع اندلاع حرب إقليمية شاملة، وفق ما نقلته الصحيفة عن دبلوماسيين غربيين وقطريين.
تصعيد غير مسبوق
التوتر بلغ ذروته في 22 يونيو، حين نفذت الولايات المتحدة هجومًا على البنية التحتية النووية الإيرانية. وردّت طهران بصواريخ استهدفت قاعدة العديد الأمريكية في قطر، في أول هجوم مباشر على الأراضي القطرية منذ عقود. غير أن اللافت – بحسب التقرير – أن الضربة الإيرانية كانت “مدروسة”، إذ أُبلغت قطر مسبقًا، وتم تفعيل الدفاعات الجوية واعتراض معظم المقذوفات دون خسائر بشرية.
هذا “التنسيق غير المباشر”، كما وصفته الغارديان، أنقذ الموقف من الانفجار الكامل، ومهّد الطريق أمام الدوحة لتلعب دور الوسيط الأساسي.
قطر توقف الحرب
بعد ساعات من التصعيد، عاد ترامب لطلب وساطة قطرية عاجلة. وخلال 48 ساعة فقط، قاد رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني جولة مفاوضات معقدة انتهت بوقف لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل. كان ذلك، كما وصفته الصحيفة، “إنجازًا دبلوماسيًا نادرًا” في منطقة مشبعة بالصراعات.
الوساطة كجزء من الهوية الوطنية
ترى الغارديان أن قطر لم تتبنَّ الوساطة كخيار تكتيكي، بل حولتها إلى عنصر من عناصر هويتها الوطنية. فمنذ استقلالها عام 1971، ثم مع انطلاق قناة الجزيرة عام 1996، وامتداد استثماراتها السيادية حول العالم، بنت الدوحة شبكة نفوذ سياسية وإعلامية واقتصادية جعلت حضورها يتجاوز مساحتها وحدودها.
واليوم، تُشرف قطر على أكثر من عشر وساطات دبلوماسية نشطة، تشمل ملفات غزة، وروسيا وأوكرانيا، وأزمات إفريقيا. وباتت وجهة إلزامية لكل من يسعى إلى تخفيف التوترات أو فتح قنوات حوار.
بين الدعم والحياد
ورغم اتهامات متكررة بدعم جماعات كحماس أو الإخوان، يصر المسؤولون القطريون – بحسب الغارديان – على أن دورهم لا ينبع من اعتبارات أيديولوجية، بل من “طلب دولي” لإدارة قنوات الاتصال المغلقة. حتى مكتب حماس في الدوحة، تقول الصحيفة، كان بطلب أمريكي.
وتذكّر الغارديان بحصار 2017 الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وكيف استغلته الدوحة لتعزيز استقلالها الغذائي والدفاعي، وتثبيت تحالفها مع واشنطن، حتى أصبحت من أبرز شركائها في الخليج.
من كأس العالم إلى الدبلوماسية العالمية
لم يكن تنظيم مونديال 2022 مجرد حدث رياضي، بل أداة دبلوماسية رسّخت صورة قطر كدولة قادرة على التحدي، رغم الانتقادات المتعلقة بالعمالة وحقوق الإنسان. وهو نموذج، ترى الغارديان، يتكرر في كل أداة توظفها الدوحة، من الإعلام إلى الاقتصاد، ومن الرياضة إلى الوساطات.
قوة بالكلمة لا بالسلاح
تخلص الغارديان إلى أن قطر أعادت تعريف مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين: قوة لا تستند إلى العدد أو السلاح، بل إلى الذكاء السياسي وقدرة الوساطة. دولة صغيرة بمساحة، كبيرة بحجم الدور، جعلت من نفسها “لاعبًا لا يمكن تجاوزه” في أكثر ملفات العالم سخونة.
ترجمة وتحرير الوطن الخليجية















