تعثر محادثات واشنطن وطهران يضع الوساطة الباكستانية في اختبار صعب

تعيش إسلام آباد حالة ترقب مشوب بالحذر، مع تعثر الوساطة الباكستانية لإحياء الجولة الثانية من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل استمرار الجمود السياسي رغم إعلان تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير محدد.

وأدى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتمديد الهدنة إلى إزالة موعد نهائي كان يضغط على الطرفين، لكنه لم ينجح في تقليص حالة عدم اليقين حول مستقبل المفاوضات أو إمكانية صمود التهدئة.

والجولة الثانية من المحادثات، التي كان من المقرر عقدها هذا الأسبوع في إسلام آباد، أُلغيت بشكل مفاجئ، ما دفع السلطات الباكستانية إلى إبقاء الاستعدادات قائمة تحسبًا لأي تطور مفاجئ.

وأفادت مصادر بأن موظفين في وزارات باكستانية معنية بملف الوساطة طُلب منهم الانتظار 48 ساعة لتقييم فرص استئناف المحادثات، فيما بقيت مواقع كانت مخصصة لاستضافة الوفود، مثل فنادق رئيسية في العاصمة، مغلقة أمام الجمهور، في مؤشر على استمرار الاستعداد رغم الغموض.

ورغم هذه التحضيرات، تؤكد المؤشرات أن استئناف المفاوضات يواجه عقبات جوهرية، أبرزها الخلاف حول ترتيب الأولويات بين الطرفين. وتتمثل هذه الخلافات في تحديد ما إذا كان ينبغي البدء بتخفيف العقوبات الأمريكية أو بتقييد البرنامج النووي الإيراني.

وقال مسؤول باكستاني إن المشكلة الأساسية لا تتعلق بانهيار الدبلوماسية، بل بانتظار كل طرف أن يقدم الآخر التنازل الأول، ما يعطل أي تقدم فعلي.

وأضاف أن الضغوط الداخلية داخل إيران تلعب دورًا في هذا الجمود، إذ تسعى طهران إلى تجنب الظهور بمظهر الطرف المتراجع.

في هذا السياق، أشار ترامب إلى احتمال استئناف المحادثات خلال فترة تتراوح بين 36 و72 ساعة، دون تقديم ضمانات واضحة، ما يعكس استمرار الغموض بشأن المسار التفاوضي.

وتُعد باكستان وسيطًا رئيسيًا في هذه العملية، ليس فقط بسبب علاقاتها مع الطرفين، بل أيضًا لدوافع استراتيجية تتعلق بأمنها القومي. إذ ترى إسلام آباد أن استقرار إيران يمثل عنصرًا أساسيًا في توازنها الإقليمي.

وتواجه باكستان تحديات جيوسياسية معقدة، حيث ترتبط بعلاقات متوترة مع الهند، وتواجه خلافات مع أفغانستان، بينما تحافظ على علاقات وثيقة مع الصين.

ويزيد احتمال تغير النظام في إيران من مخاوفها من تطويق استراتيجي قد يضعها في مواجهة مع عدة أطراف.

على الأرض، لم تُبدِ إيران موافقة واضحة على تمديد وقف إطلاق النار، حيث صعّدت ميدانيًا عبر احتجاز سفينتي شحن في مضيق هرمز، في خطوة اعتُبرت رسالة مباشرة برفض الضغوط الأمريكية.

وصرح مسؤولون إيرانيون بأن التمديد “لا قيمة له”، معتبرين أن الحصار الاقتصادي يعادل العمل العسكري، ومؤكدين أن استئناف المحادثات مشروط برفع القيود المفروضة على طهران.

في المقابل، تواصل الولايات المتحدة الضغط عبر أدوات اقتصادية وسياسية، دون تقديم تنازلات واضحة حتى الآن، ما يعمق حالة الجمود.

وانعكست هذه التطورات على الحياة اليومية في إسلام آباد، حيث فرضت السلطات إغلاقًا أمنيًا واسعًا في مناطق حيوية من العاصمة ومدينة روالبندي المجاورة، مع انتشار آلاف العناصر الأمنية. وتسبب ذلك في تعطيل الأعمال وحركة السفر والدراسة.

ورغم هذا الجمود، ترى الحكومة الباكستانية أن تمديد وقف إطلاق النار يمثل الحد الأدنى الممكن في هذه المرحلة، حيث يمنح الأطراف مزيدًا من الوقت لتجنب التصعيد العسكري.

وأكد رئيس الوزراء شهباز شريف استمرار بلاده في جهود الوساطة، مشيرًا إلى أن الهدف هو التوصل إلى تسوية تفاوضية تمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.

لا يزال مستقبل المحادثات غير محسوم، حيث يعتمد على استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة. وفي ظل غياب هذا الاستعداد، تبقى المفاوضات معلقة، فيما يستمر التصعيد الميداني كعامل ضغط إضافي.

وتعكس هذه الحالة توازنًا هشًا بين الدبلوماسية والتصعيد، حيث تتحرك الأطراف في مساحة ضيقة بين التفاوض والمواجهة، ما يجعل أي اختراق سياسي محدودًا في المدى القريب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى