ثلاثة تعهدات أمريكية تثير جدلاً واسعاً حول مستقبل طهران

طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رؤية واسعة لمستقبل إيران بعد الحرب، معلناً ما وصفه بشروط “الاستسلام غير المشروط”، في خطوة تعكس طموحات تتجاوز العمل العسكري إلى إعادة تشكيل النظام السياسي والاقتصادي في البلاد.
ويقدم ترامب نفسه باعتباره المهندس الرئيسي لمرحلة ما بعد الحرب في إيران، معتبراً أن الصراع الدائر يمكن أن يؤدي إلى تغيير جذري في بنية السلطة داخل الجمهورية الإسلامية.
لكن خبراء في السياسة الدولية يحذرون من أن هذه الطموحات قد تصطدم بتعقيدات الواقع الإيراني، حيث تتمتع مؤسسات الدولة، وخاصة الحرس الثوري، بنفوذ عميق في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية.
وحتى الآن، لم يصدر البيت الأبيض تعليقاً رسمياً مفصلاً على هذه التصريحات، لكن الخطاب السياسي الصادر عن ترامب يشير إلى ثلاثة تعهدات رئيسية تتعلق بمستقبل إيران.
وأول هذه التعهدات يتعلق بمسألة القيادة السياسية في إيران بعد الحرب.
وقد أقر ترامب بأن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، يعد المرشح الأبرز لخلافة والده في حال استمر النظام الحالي.
لكن ترامب أوضح أنه لا يؤيد هذا السيناريو، في إشارة إلى رغبة واشنطن في رؤية تغيير أعمق في هرم السلطة الإيرانية.
ويرى خبراء أن هذا الموقف ينسجم مع نهج ترامب في التعامل مع الأنظمة السياسية التي تعارض الولايات المتحدة.
وقال سرينجوي بوس، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية، إن هذه السياسة تمثل امتداداً لنهج واشنطن في التعامل مع دول مثل فنزويلا.
وأشار بوس إلى أن هذه المقاربة تعيد إلى الأذهان الانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة في إيران عام 1953، عندما أطاحت الحكومة المنتخبة ديمقراطياً ونصبت محمد رضا بهلوي شاه إيران حتى سقوطه في الثورة الإسلامية عام 1979.
في المقابل، يرى بعض الخبراء أن الوضع الإيراني اليوم مختلف تماماً.
وقال دانيال شنايدرمان، مدير برامج السياسة العالمية في جامعة بن واشنطن ومسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمريكية، إن حجم الجيش الإيراني ونفوذ الحرس الثوري داخل المجتمع يجعل أي تغيير سياسي أكثر تعقيداً مما يبدو.
وأوضح أن طهران “كان لديها وقت طويل للاستعداد للحرب”، مضيفاً أن احتمال ظهور انتقال سياسي يرضي البيت الأبيض يبدو ضعيفاً.
ويرى شنايدرمان أن استمرار النظام الإيراني بأي شكل قد يعتبر مكسباً استراتيجياً لطهران بعد الحرب.
والتعهد الثاني الذي أعلنه ترامب يتعلق بمحاولة استقطاب عناصر من المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية.
ووجه ترامب دعوة مباشرة إلى عناصر الحرس الثوري والجيش والشرطة في إيران لإلقاء أسلحتهم والتخلي عن النظام.
وقال ترامب إن من يفعل ذلك “سيكون آمناً تماماً مع حصانة كاملة”، محذراً في الوقت نفسه من أن البديل سيكون “الموت المؤكد”.
ويرى بعض المحللين أن هذا الخطاب يهدف إلى إضعاف تماسك المؤسسات الأمنية الإيرانية.
لكن خبراء آخرين يشككون في واقعية هذه الدعوة. وقال بوس إن لا توجد ضمانات حقيقية بأن أي عناصر إيرانية قد تتمرد على النظام ستحصل فعلاً على حماية من الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي.
أما شنايدرمان فاعتبر أن هذه الرسائل قد تكون ذات دلالة سياسية لكنها تحتاج إلى دعم عملي حتى تصبح قابلة للتنفيذ.
وأضاف أن مثل هذه التصريحات قد تكون “إشارة مهمة”، لكنه تساءل عن مدى وجود خطة حقيقية خلفها.
والتعهد الثالث الذي أعلنه ترامب يرتبط بالاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وسارعت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ خطوات لاحتواء الارتفاع الحاد في أسعار النفط والوقود الناتج عن الحرب.
وأعلن ترامب أن الولايات المتحدة قدمت “تأميناً وضمانات ضد المخاطر السياسية” لناقلات الطاقة التي تمر عبر الممرات البحرية في المنطقة.
كما أكد أن إجراءات إضافية تهدف إلى “زيادة استقرار الشرق الأوسط وأسعار النفط وأسواق الأسهم” سيتم الإعلان عنها قريباً.
ولم يقدم ترامب تفاصيل محددة حول هذه الإجراءات، لكن الإدارة الأمريكية اتخذت بالفعل بعض الخطوات في هذا الاتجاه.
وأعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت عن إعفاء مؤقت لمدة ثلاثين يوماً يسمح للهند بشراء النفط الروسي، بعد أن كانت قد أوقفت استيراده في إطار اتفاق تجاري سابق.
وتهدف هذه الخطوة إلى زيادة الإمدادات في السوق العالمية والحد من ارتفاع الأسعار.
لكن تأثير هذه الإجراءات ظل محدوداً حتى الآن حيث ارتفعت أسعار النفط والبنزين مجدداً يوم الجمعة، بينما قفز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة بنحو 11 بالمئة منذ بداية الحرب.
ويرى خبراء الطاقة أن هذه التطورات تمثل أحد الآثار الجانبية للحرب. وقال شنايدرمان إن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل “أحد العواقب الاستراتيجية غير المقصودة” للقرارات العسكرية.
وأضاف أن أي خطة متماسكة لخوض حرب بهذا الحجم كان يجب أن تأخذ في الحسبان التأثيرات الاقتصادية الثانوية والثالثية.
في ظل هذه المعطيات، تبدو رؤية ترامب لمستقبل إيران جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
لكن خبراء السياسة الدولية يحذرون من أن الواقع الإيراني المعقد قد يجعل تحقيق هذه الأهداف أكثر صعوبة مما يتوقعه البيت الأبيض.















