مكاسب في سوق النفط تعكس ديناميكيات جيوسياسية

سجّلت أسعار النفط مكاسب طفيفة لكنها لافتة هذا الأسبوع، مدفوعة بعوامل متشابكة تتراوح بين محادثات تجارية أمريكية-صينية مشجّعة، وانخفاض في الشحنات السعودية المخصصة للصين بما يعكس ديناميكيات جيوسياسية.

وقد سلطت هذه العوامل المؤقتة الضوء مجددًا على هشاشة أسواق الطاقة العالمية، التي باتت تتأرجح بين تطورات دبلوماسية، وتوجهات إنتاج منظمة “أوبك+”، والتغيرات المناخية، إضافة إلى رهانات السوق على مؤشرات الطلب والعرض في كبرى الاقتصادات.

فبحسب البيانات الأخيرة، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.3% لتصل إلى 67.27 دولارًا للبرميل، بينما قفز خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة مماثلة ليبلغ 65.46 دولارًا.

وتقترب هذه الأسعار من أعلى مستوياتها منذ مطلع أبريل، ما يعكس مزاجًا تفاؤليًا مؤقتًا في السوق، مرتبطًا في المقام الأول بتهدئة التوترات التجارية بين واشنطن وبكين، وتراجع حجم الصادرات السعودية من الخام إلى الصين.

الصين والولايات المتحدة: التجارة تؤثر في الطاقة

المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين في لندن تمثل عامل دعم نفسي مهم للأسواق. فالعلاقة بين البلدين، رغم التوترات المستمرة حول الملفات الجمركية والتكنولوجيا والمعادن النادرة، تمثل عنصرًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد العالمي.

لذلك، فإن أي مؤشرات إيجابية على تقارب مواقف الطرفين تُترجم فورًا إلى توقعات بزيادة الطلب على النفط، نظراً لكون الصين أكبر مستورد عالمي، والولايات المتحدة أكبر مستهلك.

وتعكس التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض حالة من الارتياح، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن التقارير الواردة من فريقه المفاوض “إيجابية”، مشيرًا إلى أجواء بنّاءة في الاجتماعات.

وهذا الانفراج النسبي يعزز مناخ الثقة في الأسواق المالية، ويحفز المستثمرين على المراهنة على انتعاش الطلب، لا سيما في قطاعات التصنيع والنقل والطاقة.

تراجع الإمدادات السعودية

اللافت في مشهد الأسعار الأخير هو إعلان شركة أرامكو السعودية عن تقليص شحناتها إلى الصين في يوليو إلى 47 مليون برميل، أي أقل بمليون برميل عن شحنات يونيو. هذه الخطوة، وإن كانت تبدو فنية أو ناتجة عن عوامل موسمية، فإنها تشير إلى عدة احتمالات سياسية واقتصادية.

فمن جهة، قد تسعى السعودية إلى ضبط مستويات العرض للحد من الضغوط النزولية على الأسعار، في ظل تراكم المخزونات وضعف نسبي في الطلب الآسيوي.

ومن جهة أخرى، قد تكون هذه الخطوة إشارة على تحفظ سعودي تجاه العودة السريعة إلى مستويات الإنتاج السابقة، خصوصاً مع الغموض المحيط بملف إيران النووي وإمكانية عودتها إلى سوق النفط في حال تخفيف العقوبات.

ويقول محللون، من بينهم هاري تشيلينغيريان من “أونيكس كابيتال”، إن هذا التراجع في الشحنات السعودية قد يكون مؤشراً مبكرًا على أن تخفيف تخفيضات الإنتاج في إطار “أوبك+” لن يُترجم تلقائيًا إلى كميات إضافية كبيرة في السوق، ما يعكس توجّهًا حذرًا في إدارة الإنتاج.

“أوبك+”: حسابات دقيقة وضغوط متزايدة

ورغم أن منظمة “أوبك+” – التي تضم دول أوبك وشركاءها مثل روسيا – أعلنت عن خطة لزيادة الإنتاج بنحو 411 ألف برميل يوميًا في يوليو، فإن التقارير تشير إلى أن الزيادات في مايو كانت أقل من المتوقع.

فالسعودية والإمارات، وهما أبرز منتجين في التحالف، لم تنفذا الزيادات التي تم الاتفاق عليها بالكامل، بينما ضخ العراق كميات أقل لتعويض فائض سابق.

هذا التردد في الالتزام بالزيادات قد يكون ناتجًا عن الحذر من هبوط الأسعار في حال زاد العرض بشكل يفوق تعافي الطلب. ويعزز هذا الحذر استمرار الغموض في المشهد الاقتصادي العالمي، لا سيما في ظل تباطؤ النمو في بعض الاقتصادات الأوروبية، ومخاوف من تبعات السياسات النقدية الأمريكية المتشددة.

متغيرات إضافية: حرائق كندا والملف الإيراني

على الجانب الآخر من المحيط، شكّلت حرائق الغابات في كندا عامل ضغط على إمدادات أمريكا الشمالية، ما أضاف دعمًا إضافيًا للأسعار في المدى القصير.

وتُعد كندا من أكبر منتجي النفط الرملي، ويعني أي اضطراب في إنتاجها نقصًا فعليًا في المعروض العالمي، خاصة في الأسواق المرتبطة بخام غرب تكساس.

أما الملف الإيراني، فيبقى عاملاً لا يمكن تجاهله. فإيران، ثالث أكبر منتج في أوبك، أعلنت أنها سترسل مقترحًا مضادًا للعرض الأمريكي حول الاتفاق النووي، ما يشير إلى استمرار التعثر في المفاوضات. وتتمسك طهران بحقها في تخصيب اليورانيوم، وهو ما تعارضه واشنطن.

وفي حال تم التوصل إلى اتفاق، فقد تعود صادرات النفط الإيرانية بقوة إلى السوق، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا للأسعار الراهنة.

إلى أين تتجه الأسعار؟

رغم المكاسب المسجلة، يبقى من المبكر الحديث عن انتعاش مستدام في أسعار النفط. فالعوامل التي تدفع السوق صعودًا ما زالت هشة ومرتبطة بتطورات سياسية أكثر منها اقتصادية.

والمخاوف بشأن الاستقرار طويل الأمد في السوق لا تزال حاضرة، خصوصاً في ظل احتمالات تزايد المعروض من إيران، وعدم وضوح التزام الدول الكبرى في “أوبك+” بسقوف الإنتاج الجديدة.

كما أن مستقبل المحادثات الأمريكية-الصينية ما زال رهينة المصالح المتعارضة، ومن غير المضمون أن تسفر عن اتفاق دائم. وبالتالي، فإن أي تراجع في هذه الدينامية قد ينعكس فورًا على الأسعار، ويعيدها إلى مسار التذبذب.

وفي الخلاصة فإن ارتفاع أسعار النفط في هذا التوقيت يعكس تفاعل الأسواق مع محفزات مؤقتة وذات طابع سياسي بالأساس، على رأسها تقارب أمريكي-صيني وتخفيض سعودي طفيف في الشحنات.

لكن هذه المكاسب قد تكون قصيرة الأجل في ظل التحديات الكبرى التي يواجهها سوق الطاقة، من بينها الغموض الجيوسياسي، وتغيرات المناخ، والتحولات في مواقف المنتجين الكبار. وفي نهاية المطاف، سيظل التوازن بين العرض والطلب مرهونًا بقرارات سياسية أكثر من كونه استجابة تلقائية لعوامل السوق التقليدية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى