الهجوم المحتمل على رفح يعيق فرص التطبيع الإسرائيلي العربي

تمثل نية إسرائيل الحالية لمهاجمة رفح في جنوب قطاع غزة خطوة خطيرة، وتهدد آفاق التطبيع على المدى الطويل بين إسرائيل والدول العربية الإقليمية.

وبحسب مركز (geopoliticalmonitor) للدراسات فإن واشنطن تبدو منزعجة بشأن احتمالات تنفيذ عملية في رفح، التي أصبحت الآن واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم.

وحذرت الإدارة الأميركية من مثل هذه العملية، كما ورد خلال مكالمة هاتفية بين الرئيس جو بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

علاوة على ذلك، صرحت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس جرينفيلد، بأن أي عملية عسكرية في رفح لا يمكن أن تستمر في ظل الظروف الحالية.

وتحت رعاية الولايات المتحدة، كانت المملكة العربية السعودية تجري محادثات تقدمية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل الصراع الحالي.

وكانت المحادثات جزءًا من المفاوضات التي من شأنها أن تسمح للمملكة العربية السعودية بالحصول على برنامج مدني نووي، وتشكيل اتفاقية دفاع مع الولايات المتحدة، والأهم من ذلك، المضي قدمًا في مشروع تحويلي إقليمي يطلق عليه اسم الممر بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC).

كما أُعلن في قمة مجموعة العشرين 2023، الأمر الذي يتطلب التواصل المتكامل مع إسرائيل.

في أعقاب الأحداث التي وقعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول، صرح المسؤولون السعوديون، وكذلك وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق تطبيع حتى يكون هناك وقف لإطلاق النار في غزة، وأنه يجب أن يشمل إنشاء مسار لا رجعة فيه نحو اتفاق تطبيع بإقامة الدولة الفلسطينية، وهو ما يبدو أنه النقيض التام لأجندة إسرائيل الحالية.

علاوة على ذلك، فإن الوضع المتطور في رفح يزيد من تعقيد التوصل إلى أي محادثات تطبيع تقدمية بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل في أي وقت قريب. وباعتبارها دولة رائدة بين دول مجلس التعاون الخليجي، فمن المحتمل جدًا، إن لم يكن واضحًا، أن تتبع معظم دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية خطوات المملكة العربية السعودية عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع إسرائيل.

وتحتفظ السعودية بمكانة قيادية إقليمية وتسعى جاهدة للحفاظ على نفوذها داخل العالم العربي.

ونظراً للدعم القوي للقضية الفلسطينية بين جميع الدول العربية، فإن أي تحركات نحو التطبيع مع إسرائيل تخاطر بتقويض مكانة المملكة الإقليمية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الدول الأخرى التي قامت بالفعل بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قد تواجه انتقادات من الشارع العام العربي لعدم أخذها في الاعتبار الوضع الإنساني في غزة بشكل كافٍ.

وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تثبيط عزيمة المملكة عن اتخاذ أي خطوات حازمة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وبالتالي، فإن هذا يضع تأكيدًا آخر على عامل مهم آخر يعيق عملية التطبيع، وهو الرأي العام، سواء داخل السعودية أو في العالم العربي الأوسع.

إن محنة الفلسطينيين في غزة لها صدى عميق لدى الشعب العربي وتشكل الخطاب العام فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل.

تساهم التغطية الإعلامية المكثفة والصور العاطفية التي ملأت منصات وسائل التواصل الاجتماعي من الحرب في غزة في تكوين تصور سلبي لإسرائيل، مما قد يجعل من الصعب على السعودية والدول العربية الإقليمية الحفاظ على لهجة ودية مع إسرائيل كما كان الحال من قبل.

علاوة على ذلك، فإن الصراع في غزة يسمح بشكل متزايد لوكلاء إيران بأن يصبحوا أكثر نشاطا في المنطقة، بما في ذلك الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، والذين يمثلون تحديا هائلا للأمن البحري في البحر الأحمر ويستمرون في تشكيل تهديد أمني للمملكة من الجنوب.

ومن ناحية أخرى، هددت مصر، التي حافظت على معاهدة سلام مع إسرائيل منذ عام 1978، بتعليق معاهدة السلام إذا غزت الأخيرة رفح.

على الرغم من أن مصر تشعر بالقلق إزاء تزايد التوترات والأزمة الإنسانية على حدودها الشمالية الشرقية مع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن منطقة رفح في غزة، المتاخمة مباشرة لمصر، شهدت ارتفاع عدد سكانها من 280,000 إلى ما يقرب من 1.4 مليون نتيجة لمعظم هذه الأحداث.

ويلجأ مدنيو غزة من الشمال إلى ملجأ آمن هناك، كما يعيش معظم المدنيين في رفح الآن في الخيام.

وبالتالي، فإن أي هجوم تشنه إسرائيل على رفح لن يكون مجرد حمام دم، ولكنه سيعرض أيضًا للإدارة المصرية نزوحًا جماعيًا للمدنيين في غزة من رفح إلى سيناء، وهو أمر تعتبره مصر تهديدًا للأمن القومي وغير مقبول أيضًا.

وذلك باعتبار أن أي تهجير جماعي لأبناء غزة إلى سيناء يعتبر خسارة للقضية الفلسطينية في المقام الأول، كما أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

وفي ظل المصالح السياسية المتباينة بالفعل، دعمت مصر، إلى جانب القوى الإقليمية الأخرى، القضية الفلسطينية تاريخياً، في حين تعطي إسرائيل الأولوية لأمنها.

وتعزز الحرب في غزة هذه الأولويات المتناقضة، مما يجعل من الصعب إيجاد أرضية مشتركة للحوار الدبلوماسي. ويتجلى هذا الأخير في التصريحات الأخيرة لضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، الذي أكد أن “الدولة المصرية لن تكتفي بإجراءات رمزية إذا وصل الأمر إلى تهديد أمنها القومي وأراضيها أو تصفية الشعب الفلسطيني”.

ورغم أنه من المتوقع أن تشن إسرائيل هجوماً رسمياً على رفح في أي لحظة، فقد بدأت مصر مؤخراً في تبني لغة أقوى في التعامل مع إسرائيل، فضلاً عن زيادة تحصيناتها العسكرية ونشر قواتها على طول الحدود مع غزة.

ورغم أن أي مواجهة بين إسرائيل ومصر غير محتملة على الإطلاق، فمن المعتقد أن الانتشار المسلح المصري ونقاط التفتيش العسكرية والمروحيات هو إجراء احترازي ولأغراض الاستطلاع، نظراً للوضع على الجانب الآخر من الحدود.

ومع ذلك، ومع وجود علامات على تزايد وجهات النظر المتناقضة بين الرئيس بايدن ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن رفح، وصل مدير وكالة المخابرات المركزية، ويليام بيرنز، إلى القاهرة مع تزايد الضغوط من أجل وقف إطلاق النار.

ويتعين علينا أن نرى إلى أي حد ستكون المحادثات في القاهرة مثمرة فيما يتعلق بمحاولة واشنطن المتجددة لوقف الحرب في غزة، وخاصة في رفح، إذا توصلت حماس وإسرائيل إلى أرضية مشتركة من المفاوضات، رغم أن هذا لا يمكن توقعه في المستقبل القريب.

وعلى الرغم من هذا الأخير، لا يزال من الممكن القول بأن أي مساعي ناجحة لوقف إطلاق النار في غزة في الفترة المقبلة ستعتمد إلى حد كبير على كيفية قيام الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل للقيام بذلك، فضلاً عن قدرة الولايات المتحدة على إعادة تنظيم وجهات نظر الشركاء العرب الإقليميين حول هذه القضية.

هناك عوامل عديدة تساهم في التعقيد المروع للصراع في غزة، بما في ذلك: تصاعد العنف في غزة، وفقدان الثقة، والانقسام السياسي، وتحديات الوساطة الدولية، والقضايا التي لم يتم حلها منذ عقود فيما يتعلق بالسلام الإسرائيلي الفلسطيني، وتعميق الانقسامات المجتمعية بين الدول العربية.

ويستمر الصراع بدوره في تأجيج عدم الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ولا سيما إعطاء الفرصة لوكلاء إيران لتعزيز أجنداتهم الخاصة.

وخلص المركز إلى أن إعادة محادثات التطبيع بين السعودية وإسرائيل إلى مسارها الصحيح، يتطلب الأمر معالجة الأسباب الجذرية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني وإيجاد حلول شاملة تخفف من مخاوف جميع أصحاب المصلحة المعنيين، وهي ليست مهمة سهلة.

وختم المركز بأنه مهما كانت الصعوبة، فإن اتباع نهج متعدد الأطراف ومتعدد العوامل لمعالجة التعقيدات المذكورة أعلاه، من خلال عملية الحوار والتسوية، سوف يكون ضرورياً إذا كنا نريد احتواء التوترات الإقليمية، وبالتالي تمهيد الطريق لسلام دائم في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن الخليجية