الأردن يتحول إلى مركز رئيسي للعمليات الأمريكية بعد القيود الخليجية على استهداف إيران

تصاعد الدور العسكري للأردن في الاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط مع انتقال جزء متزايد من العمليات والقوات الأمريكية إلى أراضيه، في ظل القيود التي فرضتها دول خليجية على استخدام قواعدها العسكرية خلال المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما دفع طهران إلى توسيع دائرة استهدافها للمملكة باعتبارها إحدى أبرز منصات الدعم اللوجستي والعسكري لواشنطن.

وبحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية فكشفت تقديرات وتحليلات أمريكية أن الأردن أصبح خلال الفترة الأخيرة أحد أهم مراكز الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، بعدما أعادت وزارة الدفاع الأمريكية توزيع جزء من قواتها ومعداتها من قواعدها في البحرين والإمارات وقطر إلى مواقع اعتبرتها أكثر أمناً داخل الأردن وإسرائيل، استعداداً لأي تصعيد عسكري مع إيران.

وبحسب مسؤولين أمريكيين، جاء هذا التحول نتيجة تزايد تحفظ عدد من الحلفاء الخليجيين على استخدام أراضيهم في تنفيذ عمليات هجومية ضد إيران، خشية التعرض لردود انتقامية تستهدف منشآتهم النفطية والعسكرية، كما حدث خلال فترات التوتر السابقة في الخليج.

وأشار المسؤولون إلى أن القيود التي فرضتها بعض الدول الخليجية على تحركات القوات الأمريكية دفعت واشنطن إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأردن، الذي يتمتع بعلاقات عسكرية واستخباراتية وثيقة مع الولايات المتحدة منذ عقود، ويستضيف قواعد جوية ومنشآت عسكرية تستخدمها القوات الأمريكية في عملياتها الإقليمية.

ويأتي هذا التطور بالتزامن مع تصاعد الهجمات التي تستهدف الأردن، ومنها الهجوم الذي أدى إلى مقتل جنديين أمريكيين، في مؤشر يراه محللون على أن طهران بدأت تنظر إلى المملكة باعتبارها جزءاً أساسياً من البنية العسكرية الأمريكية في المنطقة.

ويرى خبراء أن الأردن بات يمثل بالنسبة لواشنطن نقطة ارتكاز متقدمة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي المحاذي لسوريا والعراق وإسرائيل، وإنما أيضاً لسهولة استخدام قواعده الجوية مقارنة بدول أخرى أصبحت أكثر حذراً في الانخراط المباشر بأي عمليات قد تستفز إيران.

وأوضح الباحث في الشأن الإيراني أميد ميماريان أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، أصبحت أكثر تردداً في السماح باستخدام قواعدها العسكرية لشن هجمات واسعة ضد إيران بعد التجارب السابقة التي تعرضت خلالها لهجمات صاروخية ومسيرات إيرانية استهدفت منشآت حيوية.

وأضاف أن الأردن يختلف عن تلك الدول بسبب طبيعة علاقته الأمنية مع الولايات المتحدة، واعتماده الكبير على الدعم الأمريكي، الأمر الذي يقلص هامش المناورة أمامه ويجعل قدرته على رفض الطلبات العسكرية الأمريكية محدودة مقارنة بالدول الخليجية.

وشهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في التعاون العسكري بين عمان وواشنطن، حيث تستخدم القوات الأمريكية القواعد الجوية الأردنية بصورة منتظمة في عملياتها داخل المنطقة، كما يقدر عدد العسكريين الأمريكيين المنتشرين في الأردن بنحو أربعة آلاف عنصر، وفق بيانات صادرة عن الكونغرس الأمريكي.

ويؤكد مراقبون أن هذا الوجود العسكري يمنح الولايات المتحدة مرونة كبيرة في إدارة عملياتها الإقليمية، خاصة بعد تزايد التحديات المرتبطة باستخدام القواعد العسكرية في الخليج، في ظل سعي الحكومات الخليجية إلى تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

وتزامن تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الأردن مع نمو غير مسبوق في حجم المساعدات الأمريكية المقدمة للمملكة، إذ تضاعفت المساعدات الاقتصادية والعسكرية ثلاث مرات خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، بينما بلغت قيمتها نحو 1.45 مليار دولار خلال العام الماضي، في واحدة من أكبر حزم الدعم الأمريكي لحليف في الشرق الأوسط.

ويرى محللون أن هذا الدعم يعكس الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للأردن في الحسابات الأمريكية، سواء في ملفات مكافحة الإرهاب أو في إدارة الأزمات الإقليمية أو في تأمين خطوط الإمداد العسكرية.

وفي المقابل، يعتقد خبراء أن تزايد اعتماد واشنطن على الأردن قد يرفع مستوى المخاطر الأمنية التي تواجهها المملكة، خاصة إذا استمرت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو شهدت المنطقة جولات جديدة من التصعيد العسكري.

كما يشير محللون إلى أن انتقال جزء من البنية العسكرية الأمريكية إلى الأردن يعكس تغيراً تدريجياً في خريطة الانتشار العسكري الأمريكي بالشرق الأوسط، مع تراجع الاعتماد الحصري على القواعد الخليجية واتجاه واشنطن إلى توزيع قواتها على مواقع متعددة لتقليل المخاطر وتعزيز القدرة على المناورة.

ويؤكد مراقبون أن القيود التي فرضتها بعض العواصم الخليجية على استخدام قواعدها العسكرية لم تمنع الولايات المتحدة من مواصلة عملياتها، لكنها دفعتها إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية، وهو ما منح الأردن دوراً أكبر في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران.

ويرجح المراقبون أن يستمر هذا الدور خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل التهدئة بين واشنطن وطهران، وتزايد الحاجة الأمريكية إلى قواعد عمليات تتمتع بدرجة أعلى من المرونة السياسية والعسكرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى