بوليتيكو: الضربات الأمريكية على إيران تفضح تراجع الدور الأوروبي في الشرق الأوسط

كشف تقرير موسّع نشره موقع بوليتيكو الإخباري عن تراجع نفوذ أوروبا في الشرق الأوسط، بعد أن نفذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجمات جوية مفاجئة على منشآت نووية إيرانية، دون التنسيق أو حتى إبلاغ الحلفاء الأوروبيين مسبقًا، رغم دعواتهم المتكررة لخفض التصعيد.
واعتبر التقرير أن ما جرى لم يكن فقط تجاهلًا للدور الأوروبي، بل ربما استغلالًا متعمدًا للمساعي الدبلوماسية التي بذلتها دول أوروبا الثلاث (فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة) والاتحاد الأوروبي، بهدف خداع إيران وإيهامها بأن الهجوم ليس وشيكًا.
تحركات دبلوماسية في الفراغ
بحسب ما أفاد موقع بوليتيكو، فقد كانت القوى الأوروبية تتحرك دبلوماسيًا لعقد محادثات أزمة مع إيران، بالتزامن مع إعلان ترامب أنه سيتريث أسبوعين قبل اتخاذ قرار بشأن العمل العسكري. وأشار التقرير إلى أن تلك المهلة كانت، على الأرجح، مجرد تضليل محسوب.
وأوضحت بوليتيكو أن الاجتماع الذي عُقد في جنيف بين وزير الخارجية الإيراني وممثلين عن دول أوروبا الثلاث، لم يسفر عن نتائج ملموسة، ورغم ذلك كانت أوروبا تعوّل عليه كمخرج تفاوضي. لكن بعد ساعات فقط من انتهاء الاجتماع، أمر ترامب بشن الضربات الجوية.
وذكر التقرير أن القادة الأوروبيين، بمن فيهم وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول، فوجئوا بالهجوم، مؤكدين أنهم لم يكونوا على علم بالخطة الأمريكية، بل جرى إبلاغهم بعد التنفيذ. الأمر نفسه أكده وزير الخارجية البريطاني، في حين أبدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني دهشتها التامة من الهجوم رغم علاقاتها الجيدة بإدارة ترامب.
أوروبا في موقع المتفرج
قال موقع بوليتيكو إن الخطوة الأمريكية أظهرت أن أوروبا لم تعد طرفًا فاعلًا في توازنات الشرق الأوسط. وأضاف التقرير أن الأوروبيين حاولوا التأثير عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، لكن واشنطن باتت تتصرف منفردة، وتهمّش حتى أقرب حلفائها.
ونقل الموقع عن خبيرة شؤون الشرق الأوسط في معهد تشاتام هاوس، سنام فاكيل، قولها إن “الضربات كشفت تراجع النفوذ الأوروبي إلى مستوى هامشي، إن لم يكن معدومًا، في الملفات الكبرى”.
وتابع التقرير أن المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران باتت تجري بشكل مباشر، بينما باتت الدول الأوروبية الثلاث خارج المعادلة، دون أن تمتلك أدوات ضغط أو ضمانات ذات مصداقية يمكن تقديمها لأي طرف.
العلاقات الأوروبية الإسرائيلية في أزمة
أشار تقرير بوليتيكو إلى أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل تمر بحالة توتر شديد، لا سيما في ظل الحصار الإسرائيلي المستمر على غزة وتفاقم الأزمة الإنسانية هناك.
وذكر الموقع أن مراجعة قانونية أجرتها مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، خلصت إلى وجود انتهاكات إسرائيلية لبنود حقوق الإنسان في اتفاق الشراكة.
وذكرت بوليتيكو أن إسرائيل ردت بحدة على هذه المراجعة، ووصفتها بأنها “قرار مشين”، بينما تدرس بروكسل الآن إمكانية اتخاذ خطوات عقابية أو إعادة تقييم العلاقة.
لكن الموقع أشار إلى أن النفوذ الأوروبي في تل أبيب يبدو في تراجع حاد، حيث أظهرت الحكومة الإسرائيلية تجاهلًا تامًا للتحذيرات والمواقف الأوروبية، في مقابل استمرار التنسيق الوثيق مع ترامب.
أصوات لا تُسمع
أوضح موقع بوليتيكو أن دول الاتحاد الأوروبي تحاول توحيد مواقفها والتحدث بصوت واحد بشأن الصراع في الشرق الأوسط، إلا أن تأثيرها في المنطقة آخذ في الانحسار.
ونقل الموقع عن وزيرة شؤون الاتحاد الأوروبي في السويد، جيسيكا روزنكرانتس، قولها: “عندما تتحدث 27 دولة بصوت واحد، يُفترض أن يكون لذلك وقع، لكن علينا أن نكون واقعيين… هناك جهات أخرى تتحكم بالمشهد”.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاول التخفيف من وقع التهميش بقوله إن “الامتناع عن المشاركة في الضربات، والثبات على المواقف الاستراتيجية، هو في حد ذاته نوع من الانتصار”.
لكن بوليتيكو أكدت أن الواقع يشير إلى أن أوروبا باتت خارج اللعبة، وأن القرارات الحاسمة تُتخذ دونها، في مشهد يُكرّس انحسار تأثيرها في واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط.















