تقرير: ارتباك إدارة ترامب في الحرب مع إيران يكشف غياب استراتيجية واضحة

دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها العشرين وسط مؤشرات متزايدة على تعثر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تحقيق أهدافها، في ظل غياب استراتيجية عسكرية ودبلوماسية واضحة، وتراجع الإدارة عن قرارات أعلنتها قبل ساعات فقط، بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز.

وأوضح التقرير أن ترامب أعلن في اليوم الـ136 من الحرب عزمه فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز مقابل توفير الحماية لها من الهجمات الإيرانية، قبل أن يتراجع عن القرار بشكل كامل في اليوم التالي عقب اعتراضات من حلفاء واشنطن الخليجيين الذين أبدوا رفضهم للفكرة.

واعتبر التقرير أن هذا التراجع السريع يعكس حالة الارتباك التي تسيطر على إدارة الحرب، مشيراً إلى أن العملية العسكرية التي كان يفترض أن تستمر بين أربعة وستة أسابيع امتدت إلى نحو خمسة أشهر دون تحقيق حسم واضح.

وأضاف أن ترامب، الذي جعل استعراض القوة أحد أبرز ملامح ولايته الثانية، وجد نفسه أمام خصم لا يستجيب لأسلوب الضغوط والتهديدات، ولا يمكن إخضاعه عبر التصريحات أو الإجراءات الاقتصادية، بعدما فشلت التفاهمات المؤقتة التي توسطت فيها واشنطن لوقف القتال.

ونقل التقرير عن أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز ولي نصر قوله إن الرئيس الأميركي واجه دولة لا تتعامل وفق الأسلوب الذي اعتاد عليه في إدارة علاقاته مع خصومه وحلفائه، معتبراً أن إيران لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات بالشكل الذي توقعته الإدارة الأميركية.

ورأى التقرير أن الحرب أعادت تأكيد صعوبة فرض الإرادة الأميركية في الشرق الأوسط، وهي معضلة واجهت إدارات أميركية متعاقبة، رغم ما تمتلكه واشنطن من أدوات عسكرية وسياسية واقتصادية.

وأشار إلى أن ترامب نجح خلال ولايته الثانية في دفع حلفاء حلف شمال الأطلسي إلى زيادة الإنفاق العسكري، وانتزع تنازلات من شركاء تجاريين، إلا أن تلك الأدوات لم تحقق النتائج نفسها في المواجهة مع إيران.

وقالت نائبة رئيس مؤسسة بروكينغز سوزان مالوني، وفق التقرير، إن نهج ترامب اعتمد على ممارسة ضغوط حادة مع توفير مخارج تحفظ ماء الوجه للطرف الآخر، إلا أن التجربة الإيرانية أثبتت أن طهران لا تتعامل بهذه الطريقة.

بدوره، اعتبر المستشار السابق للأمن القومي الأميركي جون هانا أن الإدارة الأميركية ارتكبت خطأين رئيسيين عند بدء الحرب، أولهما التقليل من تماسك النظام الإيراني، وثانيهما المبالغة في تقدير قدرة الولايات المتحدة على إسقاطه، مؤكداً أن الحرب بُنيت على افتراضات ثبت لاحقاً عدم صحتها.

وأضاف أن الإدارة افترضت أن النظام الإيراني سينهار سريعاً تحت الضربات العسكرية والضغوط السياسية، إلا أن التطورات الميدانية أظهرت عكس ذلك، منتقداً غياب مؤسسات أمن قومي قادرة على مراجعة تقديرات الرئيس واختبارها بصورة مهنية.

وأوضح التقرير أن وقف إطلاق النار الذي أعلن سابقاً لم يكن سوى ترتيب مؤقت لمدة ستين يوماً، هدفه تمهيد الطريق أمام مفاوضات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، إلا أن انهياره السريع زاد من صعوبة التوصل إلى اتفاق دائم بين الجانبين.

ولفت إلى أن ترامب عاد مجدداً إلى خيار التصعيد العسكري، من خلال إعادة فرض الحصار البحري في مضيق هرمز، والتلويح بشن هجمات جديدة على مواقع نووية إيرانية، لكنه في الوقت نفسه يواصل الحديث عن إمكانية استئناف المفاوضات، رغم إقراره بصعوبة نجاحها.

وأشار التقرير إلى أن الرئيس الأميركي يعول على الضغوط الاقتصادية لإجبار إيران على تقديم تنازلات، بينما تراهن طهران على قدرتها على الصمود إلى أن تؤدي تداعيات الحرب، وخصوصاً ارتفاع أسعار الوقود، إلى زيادة الضغوط السياسية الداخلية على الإدارة الأميركية.

وقال المفاوض الأميركي السابق آرون ديفيد ميلر إن ترامب بات محاصراً في صراع مع خصم عنيد، معتبراً أن الحرب قد تتحول إلى عبء سياسي يهدد إرثه، على غرار ما واجهته إدارات أميركية سابقة خلال أزمات الشرق الأوسط.

في المقابل، رأى مسؤولون أميركيون سابقون، بينهم إليوت أبرامز، أن تأثير الحرب على رئاسة ترامب لا يزال محدوداً، مشيرين إلى أن الملف الإيراني لا يحتل أولوية لدى غالبية الأميركيين مقارنة بقضايا داخلية وملفات دولية أخرى.

وسلط التقرير الضوء على التناقضات في مواقف ترامب، مستشهداً بتراجعه عن فرض رسوم على السفن بعد يوم واحد فقط من طرحها، وكذلك انتقاله من الإشادة بالمفاوضين الإيرانيين خلال الإعلان عن وقف إطلاق النار إلى مهاجمتهم بعد أسابيع قليلة.

ونقل التقرير عن مدير برنامج الدراسات الإيرانية في جامعة ستانفورد عباس ميلاني قوله إن المشكلة الأساسية تكمن في غياب استراتيجية متماسكة تجاه إيران، معتبراً أن الإدارة الأميركية تحاول الجمع بين هدفين متناقضين، يتمثل الأول في السعي إلى اتفاق يعيد دمج إيران اقتصادياً، بينما يقوم الثاني على التهديد بتدميرها إذا لم تستجب للمطالب الأميركية.

وختم التقرير بالإشارة إلى أن استمرار الحرب دون أفق واضح يعكس تعقيدات الصراع، مؤكداً أن النظام الإيراني أثبت مرة أخرى قدرته على الصمود والتكيف مع الضغوط، في وقت لا تزال فيه إدارة ترامب تبحث عن مسار يحقق أهدافها دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى